لعبة الاستغلال!

وأنا أخرج من أحد أكبر مراكز التسوق في المدينة، حيث الشمس تكاد تصهر كل ما يقع تحتها، والجميع يهرولون سريعاً إلى الداخل، أو إلى سياراتهم، محاولين اتقاء الشمس بأيديهم، كان حمّال بسيط يحمل أكياساً كثيرة، يهرول خلف سيدة تركض بدورها لسيارتها، ما شدني للشاب، القميص الذي يرتديه، ويحمل شعار واحد من أكبر أسماء دور الأزياء العالمية، من تلك التي لا يمكن لأي منا أن يفكر بمجرد الدخول للشراء منها!

أعادني مشهد الشاب إلى المعركة الأخيرة، التي قلبت الدنيا رأساً على عقب، بين الصين والشركات الكبرى في تجارة الأزياء والحقائب، والتي تبادلت فيها الصين الاتهامات مع هذه الشركات، بحجة أن كل ما يبيعونه، ما هو إلا نتاج مصانع وأيدٍ صينية، لا تتجاوز كلفة أغلى منتج مبلغ 100 يورو، بينما يباع للأثرياء بمئات الألوف، وهذا من وجهة نظر الصين استغلال جشع، له ما له، وعليه ما عليه!

لكن لماذا أثارت الصين هذه المعركة؟ ألم تكن الصين تعلم شيئاً عن لعبة الاستغلال والأسعار هذه من قبل؟ أم أن الأخبار وصلتها متأخرة ربع قرن؟ وللذين يدعّون بأن الصين تصطف إلى جانب فقراء العالم، وأنها أرادت أن تتيح الفرصة لهم ليرتدوا ما يرتديه الأثرياء ونجوم هوليوود، سواء بسواء، حيث تؤمن الصين بأن المساواة حق للجميع في كل شيء!

فهل تؤمن الصين بذلك فعلاً؟ إن الصين تدافع عن ثروات عمالقة التجارة والرأسماليين فيها، وترد على زيادة الضرائب، التي فرضتها إدارة ترامب على صادراتها، وتقول أوروبا بوضوح، إنها العملاق الأكبر في اقتصادات العالم، وإن بإمكانها أن تقلب الطاولة في وجوههم جميعاً، والقضية كلها صراع عمالقة، لا ناقة لذلك الفقير المسكين فيها ولا جمل.

أما مستهلكو هذه المنتجات فقراؤهم وأغنياؤهم فلا عزاء لهم، طالما يذهبون بكامل رضاهم لاقتنائها، صحيح أن الأمر كله يعود للذوق والقدرات الشرائية، وحرية الاختيار، لكن الوعي بقيمة وخطورة ما نستهلكه، يجب أن ينمو لدينا مع الوقت.

ففي النهاية، يسعى المصنعون والتجار لمضاعفة ثرواتهم على حساب الجميع، انطلاقاً من بيع الأوهام والأفكار، فالصين تبيع الفقراء وهم المساواة، تماماً كما تبيع أوروبا وهم التميز للأثرياء، لكن الجميع في نهاية الأمر، ضحايا لعبة الاستغلال!