إنسانيتنا السائلة!

من هو أنطون تشيخوف؟ تقول دوائر المعرفة والقواميس إنه كاتب وروائي روسي ولد في العام 1860، وتوفي مطلع القرن العشرين وتحديداً عام 1904، لقد ولد وعاش في قرنين فاصلين في مسيرة التاريخ البشري، وتحديداً في عمر الأدب الروسي العظيم، يُعتبر من أعظم كُتّاب القصة القصيرة في الأدب العالمي، ومن لم يقرأ شيئاً من أدب تشيخوف فقد فاته الكثير من متعة القصة القصيرة الحقيقية كما كتبها هذا المؤسس الفذ، ومن جاذبية البساطة والواقعية والعمق النفسي الذي تميز به. كان طبيباً إلى جانب كونه كاتب قصة، وكان لأعماله تأثير كبير على الأدب الحديث.

سيستوقفك تشيخوف وهو يقول في واحدة من أشهر قصصه «عليك أن تعلم علم اليقين بأن المرء يخوض صراعاً بينه وبين نفسه كل يوم، مع ألف هم، وألف حزن، ومئة ضعف ليخرج أمامك بكل هذا الثبات»، وما إن تبحر في عوالمه، تجد في كل قصة وموقف وحوار هناك التماعات ذكية لا تخطر إلا على بال مبدع حقيقي، لا يكتب لأجل الكتابة، ولا يكتب أي كتابة، هناك ذكاء حاد في تكوين الموقف وكتابة الحوار وبناء الشخصية، وتركيب الحدث ووضع الفكرة ابتداء!

في الكثير من قصصه هناك نساء عائقات وساذجات ومظلومات، خادمات حمقاوات، وفلاحات مستسلمات لأسيادهن، يستحضرهن بسلاسة، ويستنطق الحماقة التلقائية الكامنة فيهن، ثم فجأة تجده يستل لغته ومنطقه وحججه وكراهيته للخنوع والظلم فيبث كل هذا فيهن، إنه الأدب لأجل الإنسان والكتابة كتشريح للواقع ووضعه في مرآة العدالة الإنسانية.

عبارة تشيخوف تحكي واقعنا الحياتي، الذي نعيشه كل يوم، في الشارع والعمل والبيت والعلاقات الشخصية والوظيفية.. فكلنا نجابه الظروف والمواقف بثبات أو محاولة الثبات، وأمام الهموم والأزمات والمصاعب التي نعبرها كل يوم نخرج من بيوتنا بقوة الإرادة وإرادة الحياة لكن الآخر الذي لا يختلف عنا كثيراً هو أكثر من يظن أننا أشخاص خارقون فيضرب بما فينا عرض الحائط بنزق وجهل!

نحتاج لأن نتوقف قليلاً، أن نفكر بأن الآخرين يعبرون الظروف القاسية التي نعبرها نحن، وربما بشكل أشد وطأة، نحتاج لأن نراجع حالة إنسانيتنا ولو قليلاً!