هناك شيء أكبر وأخطر مما نظن يحدث في العالم، يتغلغل في أقوى الاقتصادات وينخر في جذور كبريات عواصم القرار التي لطالما تغزلنا بها وبأنظمتها التي تسير بدقة الساعات السويسرية، حيث لا أحد فوق القانون، ولا شيء يتجاوز المعايير والمواصفات الدقيقة للعمل والأداء المتقن، ألمانيا لا يمكن أن تلحظ فيها خطاً ينحرف عن مكانه أو نقطة توضع في غير مكانها، كل شيء في مكانه: البشر، القطارات، المطارات، الموظفون، السياحة، الـ..
أود أن أسأل الذين عادوا من بلدان الغرب مؤخراً لندن وفرنسا وألمانيا ونيويورك و..، هل وجدوا الأمور كما كانت عليه قبل خمس أو عشر سنوات؟ أما زالت شهقة الإعجاب وكلمات الغزل وإحساس الانبهار الذي اجتاحهم واجتاحنا ذات زمن كما هو؟ ما الذي حدث ويحدث؟
أنهينا رحلتنا، وفي طريقنا للمطار «الدولي» سارت بنا السيارة قرابة الساعة في شارع خالٍ من أعمدة الإنارة، وتساءلت كيف يمكن لدولة متقدمة أن تترك شوارعها مظلمة؟ وتذكرت شوارع واشنطن عندما زرتها نهاية الثمانينيات كيف كانت تُطفأ أضواؤها عند العاشرة مساء، بينما تضاء شوارع عواصمنا طيلة الليل، وعندما سألت أحدهم هناك عن السبب حدثني عن سياسات توفير الطاقة، ولم ينس أن يتحامل على العرب الذين يبذرون الموارد!!
في المطار «الدولي» كان عليهم توفير كرسي متحرك لأحد المسافرين الذي جاء مهرولاً يطلب الكرسي لوالده، فاعتذرت له الموظفة بحجة أن لا موظفين كفاية لديهم! وعليه الانتظار نصف ساعة! لم يحدث هذا في مطار دولة من دول العالم الثالث، بل في مطار واحدة من أعظم دول العالم اقتصادياً! فتذكرت أننا منذ عشرة أيام انتظرنا عند باب الطائرة قرابة نصف ساعة ليأتي الموظف المسؤول عن خدمة الكرسي المتحرك لأحد أفراد العائلة وبنفس الحجة: ليس هناك عدد كافٍ من الموظفين!
في المطار «الدولي» أردت تغيير تذكرة السفر وأراد موظف الطيران احتساب فارق السعر، فاستغرق الأمر نصف ساعة ليحسب ويجمع ويشخبط على الورق لأن الكمبيوتر لا يعمل.. تمالكت أعصابي، ولم أشعر بالراحة وأحمد الله إلا حين ربطت حزام المقعد في الطائرة المتوجهة بي إلى دبي!