رواية «أعدائي» هي رواية ضخمة جداً، وحافلة بعشرات الشخصيات والأحداث، كتبها الشاعر والمترجم والأديب السوري ممدوح عدوان، تقدم للقارئ أحداثاً وتفاصيل لفترة الحكم العثماني لحظة انهياره. وكذلك تقدم صورة لأصداء التحول الخطير الذي عاشه العالم وهو على أبواب الحرب العالمية الأولى، بينما الجميع يسعى إلى دفع العرب الذين يعيشون مرارة الحنين إلى الماضي إلى خارج أرضهم وتاريخهم وعصرهم!

عليك أن تتعود الهزيمة، وتقبل فكرة أنك كائن مهزوم دائماً في كل حروبك ومواجهاتك، عندها سيسهل تحقيق انتصار كاسح عليك منذ الجولة الأولى، فالهزيمة الداخلية هي أوضح حالات انكشاف الروح والجسد، واستعداده للانهيار لمجرد نفخة، وهذا ما يحدث دوماً، فالإنسان يُهزم لأسباب مادية عقلانية مفهومة، وأخرى نفسية: كانعدام الإمكانيات، واختلال ميزان القوة لصالح العدو، والقابلية للهزيمة!

في رواية «أعدائي» يتساءل بطل الرواية: نتعود؟ تعرف ماذا تعلمنا يا أبي؟ ذات يوم شرحوا لنا في المدرسة شيئاً عن التعود. حين نشم رائحة تضايقنا فإن جملتنا العصبية كلها تتنبه، وتعبر عن ضيقها. بعد حين من البقاء مع الرائحة يخف الضيق. أتعرف معنى ذلك؟ معناه أن هناك شعيرات حساسة في مجرى الشم قد ماتت فلم تعد تتحسس، وبالتالي لم تعد تنبه الجملة العصبية، والأمر ذاته في السمع. حين تمر في سوق النحاسين فإن الضجة تثير أعصابك. لو أقمت هناك لتعودت مثلما يتعود المقيمون والنحاسون أنفسهم. السبب نفسه: الشعيرات الحساسة، والأعصاب الحساسة في الأذن قد ماتت.

نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات فينا شيء. تصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما يجري حولنا؟ حتى صار مرأى التفجيرات والحرائق في سماوات عواصمنا العربية أمراً يومياً متكرراً «ومعتاداً»، حتى صارت قوائم الشهداء تطول كل يوم، وتكبر وتتمدد، نلقي عليها نظرة ثم نمضي، نعتادها ونمضي، حتى صار كثير منا يصدقون أن الخراب المجاني انتصار على العدو، وأن مقتل 42 ألف امرأة ورجل وطفل انتصار مجلجل؟ ما الذي مات فينا حتى صرنا نشتم بعضنا، ونخون بعضنا، ونتآمر على بعضنا لصالح العدو؟ ما الذي مات فينا حتى صرنا نقتل على الهواء بكل استهانة، وبهذا الشكل؟

ما أكثر ما مات فينا يا أبي!