العلاقة بالهاتف.. إدمان أم احتياج؟

جاء في تعليق إحدى القارئات على مقال البارحة ما يلي: (مقال مهم يشرح علاقتنا بهذا الجهاز وإدماننا الذي لم يعد بالإمكان إنكاره، تعمق المقال في ذكر أسباب تعلقنا بالهاتف وعوالمه، ولكن بقي عندي سؤال، أليس إقبالنا ذاك يدل على نفورنا من واقعنا؟ فربما لم يعد اليومي في حياتنا كافياً لإرضاء رغباتنا التي لم نعد نعرف على وجه التحديد ما هي!).

ألا تعتقدين (والسؤال للقارئة) أن بنية عقولنا تغيرت؟ وأننا صرنا نميل إلى الخبر السريع والمدوي، صرنا نبحث عن «الفضائحية» فيما نرى ونسمع (بما يعني أن جمهور الإعلام، من القراء والمشاهدين، صار يلهث خلف الإثارة حيثما كانت، وأياً كان مصدرها وأبطالها) فلم نعد نهتم بمعرفة أسماء جيراننا وعدد أولادهم، لكننا نصبو إلى معرفة أجمل فستان في مهرجان تافه، وأغلى بيت اشتراه نجم لحبيبته وأثمن سيارة.. و..!
السؤال: كيف نحافظ على عقولنا من الانجراف نحو التفاهات؟ وادعاؤنا بأننا نفعل ذلك لنواكب العصر، في حين أن كسراً أصاب عمق عقولنا وعلاقاتنا وطريقة نظرتنا لكل شيء بما فيها ذواتنا أنفسها.

أنطلق من نفسي لإجابة القارئة الفاضلة، حيث أجدني في علاقتي بالمعرفة بشكل عام، سواء المعرفة الجيدة والمفيدة والممتعة وذات الأثر، أو معرفة اللحظة الطارئة والخبر الطارئ في هذا الفضاء اللامتناهي، لا أنجذب للفضائحيات وإعلام الإثارة بشكل عام، إلا أن خوارزميات الهواتف وآليات مواقع التواصل وتغلغلها فينا قائمة على منطق الاستلاب والاستدراج، فأنت كائن مستلب ومستدرج دون أن تكون لك القدرة على المقاومة، حيث لا تنتبه إلا بعد أن تكون قد أمضيت ثلاث ساعات ربما متنقلاً بين اليوتيوب أو قصص وفيديوهات الإنستغرام والفيسبوك!

تكمن الإشكالية في كل ذلك في تعودك على ضياع الوقت واعتيادك على عدم أهميته، وبالتالي عدم محاسبة نفسك، بل واختراع المبررات التي تسكت بها عقلك، والتي خلاصتها: إنك لو لم تتعاطَ مع السوشال ميديا، فإن وقتك سيمتلئ ببدائل أسوأ، عبارة عن ضيق ومسؤوليات ثقيلة وملل ووحدة ومواجهة واقع راكد وسخيف، فنحن إذن نوازن ونقارب في لاوعينا دون أن ننتبه ونختار الحلول الأريح، ثم نعتاد عليها!!