إن تجربة الطعام وحدها جديرة بأن تكون هدفاً محركاً لزيارة بلدان وبلدان، فليس في الاستمتاع بالطعام ما ينتقص من قيمة السفر، فالمطبخ نفسه ذاكرة وتاريخ وثقافة. ما يستحق التأمل هو أن تضيق مدينة كاملة، ببشرها وحكاياتها، إلى قائمة أماكن ينبغي اللحاق بها، ثم ننشغل بإثبات حضورنا فيها، ما يفوّت علينا فرصة أن نرى ما حولنا.
التعرف على حضارة أمة قد يتم من بوابة متحف أو من باب المطبخ، فتذوّق الطعام مدخل حقيقي إلى قراءة تاريخ البلاد، وتتبع ما جرى بين الشعوب من تبادل وتأثير، فالوصفة التي تصل إلى مائدتنا قد تكون قطعت مسافات طويلة، وانتقلت مع التجار والمهاجرين والجيوش، وتبدلت مكوناتها بحسب ما تتيحه الأرض، حتى استقرت في بلد جديد، وصار أهله يعدّونها جزءاً من هويتهم.
ولعل المطبخ التركي مثال واضح على هذا التلاقح؛ فقد أسهم تنوع محاصيل الأناضول، والتفاعل الطويل مع ثقافات متعددة دخلت ضمن إمبراطوريتهم التي تمددت لتشمل نطاقات جغرافية كبيرة، فاتسعت دائرة المكونات والخبرات والطهاة والوصفات المتداولة، ولم يكن ذلك إبداعاً تركياً خالصاً؛ فقد شاركت شعوب الإمبراطورية في صنع هذا الميراث، بما حملته إلى المائدة المشتركة من أذواق ومعارف وعادات.
حتى فنجان القهوة الذي نطلبه اليوم باسم «القهوة التركية» يحمل حكاية أوسع من اسمه: نبات من إثيوبيا، وشراب انتشر من اليمن، ثم وجد في الحياة العثمانية تقاليد للتحضير والتقديم والمجالسة، وهكذا يستطيع فنجان صغير أن يدلّنا على مسارات التجارة وانتقال العادات، وأن يذكّرنا بأن ما ننسبه إلى شعب واحد قد يكون ثمرة رحلة طويلة بين شعوب، وعبر التاريخ تماماً، كفنجان الشاي الانجليزي الذي لم تنتج بريطانيا منه ورقة شاي واحدة عبر القرون، لكنه ينسب إليها، تماماً كالشيكولاته البلجيكية!
بهذا المعنى، نحن نتحدث في الثقافة وتاريخ الإمبراطوريات والجغرافيا؛ في أثر المناخ على المحاصيل، وأثر التجارة والهجرة والسلطة على ما يأكله الناس، وحين نجلس إلى مائدة بهذا الفضول يتجاوز السؤال: «هل أعجبنا الطبق؟» إلى أسئلة أخرى: من أين جاء؟ ومن حمله إلى هنا؟ وكيف أصبح طعاماً مألوفاً لدى أهل هذا المكان؟ عندها تغدو المائدة إحدى طرق فهم العالم.
