لطالما شدتني المطاعم والمقاهي الشعبية البعيدة عن أضواء السوشال ميديا وإشادات نشطاء التواصل، حيث إن الجلوس في هذه الأمكنة يعد واحداً من مداخل التعرف إلى الوجه الآخر والحقيقي للمدينة وأهلها، لقد كان أول مكان زرته في القاهرة وجلست فيه أحد مقاهي حي الحسين الشهير، كان مقهى بسيطاً صاخباً وضاجاً بالحياة، لم يكن فاخراً ولا أنيقاً لكنه كان حيوياً ومنتجاً لحكايات وقصص لا تزال عالقة في داخلي، فهناك كتبت عدة مقالات من وحي ما كان يدور في المقهى حتى قلت لمن معي لو كنت أعيش في هذه المدينة فلن أتعب في الحصول على أفكار وحكايات للكتابة.
والحق فإنني لم أسافر إلى أي من البلاد الكثيرة التي زرتها وأنا أفكر في المطعم أو المقهى الذي سأجلس فيه، لم يكن الطعام هدفاً ولا هماً، لكنه كان بوابة عظيمة للتعرف إلى تاريخ وثقافة وعادات تلك البلاد وأهلها، الطعام ركن أساسي في حياة البشرية حتى إن تاريخ تحضر الإنسان بدأ بأمرين ربما: اختراع الكتابة واكتشاف النار، باختراع الكتابة حفظ الإنسان تاريخه وإنجازاته وسيرته على الأرض. وباكتشاف النار طهى طعامه وارتقى بسلوكه من مستوى الحيوانات والدواب، فحفظ حياته.
من هنا تشكّل معرفة طعام الشعوب وتجربتها والتجوال بين مطابخ العالم جانباً مكمّلاً لتجربة السفر الحقيقي، ومدخلاً ثقافياً إلى حياة الناس. ففي المطاعم البعيدة عن حركة السياح وتفضيلاتهم، تلك التي لا تتوسط المراكز التجارية العملاقة يستطيع المسافر أن يقترب من تفاصيل الحياة الاجتماعية لأهل البلاد التي يزورها: فيعرف مستويات معيشتهم من خلال أسعار الطعام، وكيف يتقاسمون المائدة، وكيف يتحدثون إلى العاملين، وما الذي يأكلونه على عجل، وما الذي يجتمعون حوله طويلاً. وقد تكشف جلسة في مطعم شعبي شيئاً من عادات المكان وعلاقاته، مما لا تعرضه الأدلة السياحية.
لكن حين يتحوّل السفر إلى ملاحقة أحدث صيحات الأطباق والتنقّل بين المقاهي التي افتُتحت للتو، بغرض تصويرها والتباهي بزيارتها، يصبح السؤال: ما الذي عرفناه عن المدينة التي نزورها، إذا لم نزر متاحفها ومساجدها وقصورها التاريخية وأسواقها الشعبية؟ وكيف ستختلف رحلتنا في هذه الحالة عن جولة مرتّبة بغرض الدعاية والإعلان؟
