القراءة.. خارج الصندوق

استغربت أنه لا زال هناك من يصر حتى اليوم على طرح هذا السؤال: ما الفائدة من قراءة الروايات والقصص؟ بل إن صفحة أدبية خصصتها صاحبتها وهي فتاة تونسية للحديث عن قراءاتها في مجال الرواية العربية تواجه بتعليقات غاية في الاستفزاز والتوبيخ والجدل الذي يصب في هذا الهدف: محاولة التشويش على فكرة قراءة الروايات وإظهارها كفكرة عقيمة بلا مردود ولا نتيجة، أي أنها قراءات عديمة الجدوى!

وبالرغم من أنني لا أملك أرقاماً وإحصاءات حول ظاهرة القراءة العربية وأنماط القراء وتوجهاتهم وتفضيلاتهم، إلا أنني وبحسب ما أراه وألاحظه من سلوك المترددين على معارض الكتب العربية، فإن جزءاً كبيراً منهم يفضلون اقتناء الروايات، وعدداً لا بأس به من دور النشر المرموقة تتخصص في مثل هذا النوع من الكتب، التي تحظى بمقروئية عالية وجوائز عالمية واهتمام واضح عبر السوشال ميديا.

إن افتراضاً خفياً يكمن في عقل أصحاب فرضية أن قراءة الروايات عمل لا يفيد الإنسان، خلاصته أن الوقت عنصر حاسم في حياة الأمم والشعوب، بل هو أحد أخطر ثلاثة عناصر مؤسسة للحضارة الإنسانية (إضافة للإنسان وموارد الطبيعة)، ولذلك لا يصح هدره و(تضييعه) فيما لا يعود على الإنسان بالفائدة والمعرفة والمنفعة الملموسة، ومن هنا يأتي سؤال هؤلاء حول ما الفائدة الملموسة التي يجنيها القارئ من الروايات؟

ولو أننا أخذنا بهذه الفرضية لتساءلنا: ما الفائدة من مشاهدة السينما، السفر، التأمل، الجلوس مع الأصدقاء، ما الفائدة من التغيير؟ من الأناقة؟ من الفرح وإقامة مناسبات احتفائية لأبنائنا وأصدقائنا؟ إن الشعور بالسعادة التي نستشعرها ونحن نقرأ رواية ليست تهمة نحتاج إلى أن نبررها أو أن نتبرأ منها أو نبحث لها عن دفوعات وحيثيات تقنع البعض بها!

أما الفائدة المادية المباشرة أو الملموسة فهي ليست كل الحياة، وليست ما يحتاج إليه الإنسان، لأننا ببساطة لم نعد ذلك الإنسان الذي يعيش بالخبز وحده، لذلك يسعى الإنسان لأن يكون له أصدقاء وهوايات وأفكار وسلوكيات حرة خارج صندوق الماديات المباشرة فقط.

من هنا نحب أن نسافر ونمشي ونستمع للموسيقى، ونتأمل الطبيعة، ونجلس مع من هم أكثر منا علماً وتجارب، ونقرأ الروايات! لنزداد اتساعاً وفهماً وتقبلاً لأنفسنا وللآخر، ونعيش تجارب لم نعشها، ونلتقي بشراً وشخصيات ربما لن يتسنى لنا لقاؤهم لولا السفر والروايات والمحاضرات والمعارض... وهكذا.