لكلٍّ منا حكايته الأولى مع الحب؛ تلك اللحظة، أو الموقف، أو النظرة، التي وقع فيها في غرام شخص أو مكان أو مدينة.
لحظة قد لا ننتبه لأثرها فينا، والذي يشبه رصاصة تستقر في عمق القلب، وتبقى إلى الأبد، نستعيد قصتها كلما سألنا شخصاً أو سألنا أنفسنا: لماذا هذه المدينة تحديداً؟ ولماذا هذا الإنسان من دون غيره؟
وعلى الرغم من أننا نستسلم لهذا الحب الذي يغير أشياء كثيرة فينا، ويعيد تنظيم أولوياتنا وتوجهاتنا، إلا أننا، وهذا أمر غريب، لا نتساءل إلا متأخرين جداً عن سره، وكيف حدث؟ ولماذا حدث؟
يتملكنا فضول المعرفة والاكتشاف وبهجة ما نكون فيه، فنترك جميع الأسئلة جانباً، وكلما واتتنا الفرصة سافرنا أو التقينا من نحب!
المؤكد في الأمر أننا قد لا نعرف يومها أننا التقينا حب حياتنا، أو وصلنا إلى المدينة، التي ستعيد ترتيب كل المدن وأمكنة الاكتشاف، والاسترخاء في سلم خياراتنا، وما تبقى من أعمارنا.
عندما وصلت مساء إلى إحدى قرى الريف في ذلك البلد كان الوقت قد تأخر كثيراً، أسدل الليل ظلمته وصمته، وأغلقت حياة النهار أبوابها، وأوى الجميع إلى النوم، لم أكد أدخل غرفتي، التي كنت محظوظة بالحصول عليها في ذلك النزل الصغير، حتى استسلمت للنوم، وعندما استيقظت اعتقدت بأنني أستيقظ في حلم، فتحت النافذة فهبت عليّ نسائم لم أعرفها يوماً، وحين مددت بصري لم أصدق كل ذاك الاخضرار البهي الذي رأيت، هبطت الدرج إلى قاعة الطعام، وهناك ابتسمت لي امرأة فاتنة، وأشارت إلى طاولة، ثم جاءتني بإفطار في أوانٍ غاية في الرقة، بينما واحدة من أجمل سيمفونيات موزارت تصدح في المكان.
حين انضم لي بقية صديقات الرحلة أيقنت بأنني لست في حلم، وبعد سنوات، حين تباعدت الوجوه، وبهتت الأمكنة، ظل ذلك المساء في ذلك الخريف البعيد من عام 1999 أكثر لحظة واضحة، احتفظت الذاكرة بتفاصيلها حتى اليوم، لتعيدني إليها، ولتجعل من تلك البلاد خياري الأول، بلاد كبيرة مترامية كانت تختبئ خلف قرية، ومساء معتم، ولحظة متوترة!
