ما الذي لا يراه السائح؟

إذا ذهبنا عميقاً في فلسفة السفر وكيف يتعامل معه البشر، كلٌ بحسب وعيه واهتماماته وثقافته، فإن الأمر لا بد أن ينقلنا من السؤال: ما الذي يبحث عنه السائح؟ إلى ماذا يرى السائح فعلاً وماذا يفوته أن يرى؟

وكيف تتغلغل تجربة السفر في وجدانه وقد تغير فيه؟ ربما تتغير وجهة نظره تجاه شعب بأكمله، وربما يراجع سلوكه وماضي أسفاره كلها؟ ماذا يترك السفر فينا؟ هل يغيرنا أم أننا نذهب ونعود كما ذهبنا، اكتفينا بضوضاء الشوارع والمزيد من التسوق والجلوس البليد على المقاهي؟ أم أننا ذهبنا عميقاً واخترقنا جلد المدينة فعلاً؟

ماذا عن حكايات أهل المكان ويومياتهم كباراً وأطفالاً؟ ماذا عن الأمهات والرجال العائدين من وظائفهم؟ ماذا عن مطاعمهم الخاصة، وأكلاتهم وسهراتهم، وألعاب أطفالهم؟

هل نكتفي من السفر بفرجة ساذجة على معالم المدينة كمن يقلّب صفحات مجلة دعائية تعرض صوراً لأفخم المراكز التجارية والمجمعات السكنية والقصور والشواطئ الجميلة، التي نملك مثلها وربما أفضل؟

أم نذهب لنعرف ونتعرف ونقترب أكثر من حياة الناس الذين يعيشون في هذه المدن وطريقة حياتهم وكيف يعيشون الحياة دون أن يعيرونا أي انتباه ونحن نتفرج على أحيائهم ونلتقط صور بيوتهم الملونة؟!

الحياة هي الحياة في كل مكان، لكن لكل منا طريقته في عيشها، كسياح تستوقفنا البيوت الملونة، والنوافذ القديمة، والأزقة التي تبدو جاهزة للصورة، لكن خلف هذه الواجهات أناساً لا يبدأ يومهم بوصولنا ولا ينتهي بمغادرتنا.

أمّ تنادي طفلها الذي تأخر في اللعب دون أن تملك ما يمكن أن تقدمه له عشاء قبل أن ينام، ورجل يعود من عمله حاملاً أكياس مشترياته لأن أبناءه هجروه إلى العواصم البعيدة، وامرأة مسنّة تستريح عند باب بيتها، وصغار يعرفون من طرق الحي واختصاراته ما لن تدلّنا عليه صغيرة عربية تسترزق من معرفتها بالمكان لتدل عليه السياح مثل خرائط الهواتف تماماً.

نحن نتوقف أمام الدرج لجماله، وربما تفكر امرأة تصعده كل يوم في تعب ركبتيها؛ ونرفع الكاميرا نحو نافذة قديمة، بينما تمتد منها يد متعبة لنشر الغسيل والاستعداد لتكملة مهام البيت التي لا تنتهي!