مثل كل الأحياء التي تمازج بين المزاج الشعبي المحلي لأهل المكان والمزاج السياحي الذي يستجيب لأذواق الوافدين من ثقافات العالم، يطل حي «بلاط» على مياه القرن الذهبي، في الجهة الغربية من مركز إسطنبول التاريخي من جانبها الأوروبي، مستقبِلاً زواره القادمين من أماكن بعيدة.
فما إن تصعد مدخل الحي حتى تمتلئ أذناك بضجيج محبب للغات ولهجات تنتمي لكل المدن التي تعرف والتي لا تعرف!
كل هذه الجموع التي تراها جاءت بحثاً عن حكاية المكان، متوقعة أن ترى وتسمع تفاصيل لم تقلها صفحات التواصل الاجتماعي، تتأرجح بين الغريب والمختلف والأسطوري والحسي فيما يقال، إنهم كمصوري الباباراتزي يبحثون عن لقطة لم يلتقطها أحد قبلهم، بينما يرتكب آخرون حماقات تافهة لا مبرر لها من أجل التقاط صورة! (إحدى البلوجر طلبت كوب شاي وقامت بتصويره، ثم غادرت المقهى دون أن تدفع ثمنه مدعية أن النادل قد أخطأ في طلبها!).
لا تبحث كل هذه الجموع التي ترتطم بك دون انتباه عن حكاية بعينها، فإذا سمعت الحياة، فقد لا تمنحهم الحكاية شيئاً مما جاؤوا يبحثون عنه. عندها يكتفون بفنجان قهوة أو شاي يدفئ أجسادهم التي ترتعش تحت برد إسطنبول، أو يجلسون إلى طاولة في أحد مطاعم الأرصفة ليختاروا ما يرغبون من الأطباق التركية الشهيرة. إن تلك الجلسات تكفي لتمنح هؤلاء متعة مراقبة الغرباء والعابرين!
عمّ يبحث كل هؤلاء؟ هل يبحثون عن حكايات يعودون بها إلى مدنهم ليروُوها لأهلهم وأصدقائهم؟ أم عن المعنى الكامن خلف الرحلة والترحال؟ هل يبحثون في تفاصيل تلك الأحياء عن أشخاص يشبهونهم، وعن أبطال عاديين في القصص التي يسمعونها؟ أم أنهم يقصدونها ليروا حياة تختلف عن حياتهم، ويجرّبوا، ولو لساعات، أن يكونوا غرباء؟
والذين يلتقطون الصور، هل يريدون إثبات أنهم كانوا أو مروا من هنا؟ أم يحاولون الاحتفاظ بشيء يعرفون أنه سيتفلت من الذاكرة؟ هل نحمل من أسفارنا ما يبررها أمام من يسألنا: لماذا سافرتم؟ أم أننا نحن من يحتاج إلى الإجابة؟
ربما نحمّل السفر أحياناً أكثر مما يحتمل. نطالبه بأن يغيرنا، وأن يكشف لنا ما خفي من العالم ومن أنفسنا، وأن نعود منه بحكاية تستحق أن تُروى. لكن ماذا لو عدنا بذكرى عطر وطعم خبز ساخن، وسحر مطعم شعبي دافئ، ووجه عابر.
