السفر فضاء رائع وملهم للكتابة والحكايات، أسافر هذه الأيام إلى مدينة إسطنبول، المدينة الزاخرة بكل التفاصيل التي يمكن أن تثير شهية الكتابة: الطقس في الخريف، التاريخ الممتد والمتمدد في كل مكان تقع عليه العين، محطات القطارات التي تعج ببشر من كل اللغات والثقافات، القصور التاريخية المعتنى بها إلى درجة تثير الغيرة، وحتى القطط، فالقطط في إسطنبول حكاية موازية من حكايات المدينة وتاريخها وأساطيرها. أما فضاءات المقاهي والميادين والحدائق والأسواق التقليدية القديمة فحدّث ولا حرج!
رائحة البحر تملأ سماء إسطنبول، المدينة التي تنام في قارتين، وتصحو لتستحم في البحر الأسود وبحر إيجة ومضيق البسفور، بينما تهب عليها رائحة بحر مرمرة والدردنيل والبحر المتوسط، أما القهوة فتشعر حيثما توجهت كأنك تتحرك في مدينة مغروسة في غابات القهوة، لذلك لا عجب أن تحمل القهوة اسمها «القهوة التركية» في كل مكان تقدم فيه، وللأتراك مع الخبز حكاية طويلة، فالأتراك يصنعونه بأشكال وأنواع لا يمكن عدها، إنهم طهاة ماهرون، وحين يجلسون على موائد الطعام يقسم كل واحد منهم الرغيف بينه وبين من يجلس بجانبه، وأما الذرة والكستناء فتعبق روائحهما في كل شارع وزقاق.
تستوقفني الحكاية التي يصنعها رجل يقف وحيداً أو امرأة تهبط من القطار أو طفلة تشاكس والدها ولا وجود لأم بينهما، أو مراهق يعب سيجارته ويقف تحت المطر منتظراً، أو بائع كستناء يمدّ كفّيه إلى دفء موقده، أو امرأة تلتفت وراءها قبل أن تعبر الشارع محملة بأكياس أكبر من قدرتها على حملها.. بما أن الحكاية كالقهوة تصنع على جمر الأسى فإنني أتساءل: إلى أين يمضي كل هؤلاء حين يغادرون المشهد الذي جمعني بهم؟ من ينتظرهم هناك؟ وأيّ يوم عاشوه قبل أن يمرّوا أمامي؟
أعرف أن ما أتخيّله عنهم ليس حياتهم بالضرورة، لكنْ للغريب عين مفتوحة على الدهشة والأسئلة، وكثيراً مما يراه من مشاهد يظل بقيته محجوباً عنه. ربما لهذا أشتهي الكتابة في مثل هذه المدن؛ لأن المدينة تمنحني ما يكفي لأبدأ حكاية، وتترك ما يكفي من الغموض كي أواصلها!
