لماذا نستعيد الماضي؟

يجادل البعض في جدوى التمسك بالذاكرة وتوثيق كل ما له علاقة بحياة الأسلاف، يعتبرون أن ذلك بلا منفعة تعود على من يعيشون اليوم، وأن على أجيال اليوم أن تنسى ما كان وتستفيد مما تتيحه لهم حياة الحداثة بكل منافعها وتسهيلاتها! هل يمكن التسليم بهذه الحجة؟ هل الماضي وتفاصيله مجرد ذاكرة ومقتنيات وحكايات بلا فائدة، أو أنها لا تغني ولا تسمن من جوع فعلاً؟

إذن لماذا لا يسلّم العجوز الفلسطيني بسطوة القوة وينسى أرضه وحقه؟ لماذا يصر على التمسك بمفاتيح بيته القديم ويُطل ويلوّح بها أمام العالم ويُذكّر أحفاده بها؟ لماذا يتمسك السكان الأصليون لأمريكا بطقوسهم وحقوقهم ويطالبون بها رغم مرور مئات السنين على سيطرة الرجل الأبيض على القارة؟ لماذا يتحدث أحفاد الموريسكيين عن تاريخهم وسيرة أسلافهم في الأندلس؟ ما الفائدة من كل ذلك؟

الحقيقة الساطعة التي لا يحق لأحد أن يجادل فيها هي أن كل هؤلاء، وكل شعب أو أمة تحفظ ذاكرتها وتاريخها من الضياع، فلأن ما يحفظونه يتصل بحقهم في أن يُعترف بأنهم كانوا هنا، وأن ما كان، وما عاشه أجدادهم لا يجوز أن يُمحى من رواية المدينة لصالح الحداثة وتحولات المدينة. في الحالات التي ذكرتها تصبح الذاكرة مسألة وجود وعدالة، كما يعتبر حفظ الذاكرة حقاً وهوية وإثباتاً يتجاوز موضوع الحنين إلى أيام مضت، أو تحويل الماضي إلى مجرد صورة فلكلورية نستحضرها في المناسبات!

الذين يتساءلون عن الفائدة، فإن الفائدة ليست ربحاً أو مكافأة فورية. الذاكرة تحفظ ما كان وتساعد على نقل الهوية بين الأجيال، وتقاوم ذوبان الشخصية وما يتعلق بها من ثقافة ولغة وعادات وتقاليد، وهنا مكمن القوة في حفظ الذاكرة والتاريخ!

وهناك فائدة إنسانية أيضاً: أن يعرف الإنسان أن أهله عاشوا حياة كاملة؛ عملوا وكافحوا وبنوا وتعبوا، ولم يكونوا مجرد ضحايا أو شعوب على هامش تاريخ الآخرين. حفظ هذه الحياة يخلق فينا الشعور بالفرادة والاعتزاز والأصالة وهذا أمر في غاية الأهمية.

إن ما نحفظه في الحقيقة هو الحياة بما فيها من جمال ومشقّة وتناقض؛ لأن الوفاء لمن عاشوا قبلنا يشمل احترام حقيقة تجاربهم، أياً كانت تلك التجارب.