أعلنت أكاديمية غونكور نهاية شهر سبتمبر الفائت أنها اضطرت لسحب رواية الكاتب تيليسون أوريليان من لائحة الأعمال المرشحة لجائزتها، على خلفية اتهامات بالسرقة الأدبية، وأن الرواية مولدة بالذكاء الاصطناعي، وقد جاء في حيثيات القرار أنه ينبع من الرغبة في الحفاظ على نزاهة الجائزة الفرنسية العريقة والأكاديمية التي يقوم دورها الأساسي في دعم الأعمال الأدبية التي يبدعها كتّاب وكاتبات والاحتفاء بها وبهم.
هذه الحادثة لم تكن الأولى، لكنها تكررت في الكثير من الصحف والجامعات ودور النشر، التي رفضت أو ألغت نتاجات أدبية وعلمية للسبب نفسه، ما يدفعنا للتساؤل: كيف تشجع الحكومات والمؤسسات برامج الذكاء الاصطناعي وتدرجه ضمن استراتيجياتها ومناهجها، وفي الوقت نفسه نجد مؤسسات أخرى تقف دون الاعتراف به؟ هل هناك تضارب في المواقف أم سوء فهم يوقع الكثيرين في الخلط وسوء التقدير وأحياناً يدفعهم للتهكم والسخرية؟
الحقيقة أن كل تقنيات ووسائل وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وجدت للمساعدة وتطوير الأداءات كافة، وتوفير الجهد والوقت و.. لكنها حتماً لم توجد لتكون بديلاً صحيحاً أو معترفاً به للإبداع البشري، لأن اعترافنا هذا وقبولنا بما ينتجه الذكاء الاصطناعي أو الإنسان الآلي في الأدب والكتابة والأطروحات العلمية سيلغي أولاً ذكاء الإنسان ويحد من قدرته على المنافسة، ويفقده سيطرته على حقول الفن والأدب وغيرها لصالح الذكاء الاصطناعي، بسبب الإمكانات الخارقة التي يملكها، ما سيدفعنا بالتالي إلى منحه الحق في الحصول على الجوائز العالمية ورفيعة الشأن التي وجدت في أساسها لتكريم ملكة الإبداع والإنسان المبدع!
فهل نتصور أن تعلن أكاديمية نوبل عن حصول روبوت على الجائزة الرفيعة لتأليفه رواية أو ديوان شعر مثلاً؟
لكن على الجانب الآخر، ماذا سيحدث حين يحصل الطالب على الإجابة من «شات جي بي تي» قبل أن يفهم السؤال؟ وحين يسلّم الموظف تقريراً متقناً لا يستطيع مناقشة أفكاره؟ وحين يقرأ الكاتب نصاً يحمل اسمه، لكنه لم يبذل فيه جهداً ولا فكرة؟ هذه احتمالات تستحق أن ترافق حماسنا للذكاء الاصطناعي؛ فالسؤال عن المستقبل يشمل ما ستفعله هذه الأدوات بنا، بقدر ما يشمل ما ستفعله لنا.
كيف نستفيد من أدوات تختصر الوقت وتوسّع فرص المعرفة، ونحتفظ بالقدرة على الفهم والحكم والاختيار؟ ماذا نريد للطالب والإنسان عامة أن يتعلم، وللموظف أن يتقن، وللكاتب أن يقول، حين تصبح الإجابات والنصوص والخطط متاحة خلال ثوانٍ؟
