أسمع كثيرين وكثيرات من جيل الشباب، وهم يتحدثون عن نمط وتفاصيل الحياة التي يعيشونها اليوم، يقصدون متطلبات الحياة اليومية وما توفره هذه الحياة من فرص وإمكانيات وفضاءات وعلاقات وأصدقاء من مختلف الثقافات، وكيف أنهم، وهم يتعاملون ويتعايشون ويندمجون مع كل هذه التفاصيل، يجدون أنفسهم أشبه بمواطنين عالميين، منفتحين على الثقافات واللغات والبشر من كل مكان، وأن هذا يُشعرهم بالمزيد من الثقة والقوة، كما يمنحهم فرصاً أكبر لتطوير شخصياتهم ومهاراتهم ومستوى أعمالهم وحياتهم الشخصية.
هؤلاء الشباب يتحدثون عن ذلك بتلقائية وبطريقة عادية جداً، دون أي شعور بالخوف من التصريح به، أو الخوف من المُضي فيه، هم يصفون أنفسهم بأنهم أبناء زمنهم، أي أنهم لم يختاروا أن يكونوا أو يولدوا في هذا الزمن، لكنهم اختاروا أن يعيشوه كما يجب، يستفيدوا من الفرص والإمكانيات التي يتيحها لهم مثل: التعليم المتطور، الجامعات القوية في الغرب، اللغات، السفر، التكنولوجيا... إلخ!
هذه الثقة وهذا التوصيف صحيح ودقيق جداً، فالعبارة التي تُقر بأن (الإنسان ابن بيئته أو زمنه) صحيحة ودقيقة إلى حد بعيد، لكن هذا الواقع بالنسبة لمجتمعاتنا الخليجية تحديداً يستدعي سؤالاً جوهرياً: هل الانحياز لحياة الحداثة بكل مظاهرها، أو تقمُّص نوعية من الحياة تخص أمماً وشعوباً أخرى يُفقد الإنسان هويته فعلاً؟ هل انسلاخنا من خصوصيتنا وتقليدنا لخصوصية الآخرين وثقافتهم يُخرجنا من انتمائنا فعلاً؟
إلى أي درجة يكون التفاعل والتأثر والتأثير مقبولاً وطبيعياً، وإلى أي درجة يُعتبر انسلاخاً وضعفاً وذوباناً في ثقافة الآخر، وبالتالي فقدان الهوية والخصوصية؟ (كأن نتحدث بلغة الآخر، ونفكر بعقليته، ونتخلى عن عاداتنا وتقاليدنا في الطعام والثياب والتربية ومظاهر الأعياد والأعراس... إلخ)
أن تأكل سوشي لا يحولك إلى ياباني بالتأكيد، لكن أن تجعل ابنك يتحدث اليابانية فقط ويقضي إجازته في اليابان ويقلد كل ما يخص الثقافة اليابانية، فأنت تعيد هندسة هويته لتسلخه عن حقيقته وبشكل واضح!! فمتى تكون العالمية مرونة وثقافة حياة مقبولة ومتى تُعتبر تهديداً وجودياً؟
