كان أول مقال كتبته لصحيفة «البيان» يدور حول القدرة على الحوار والاختلاف، أما عنوانه فهو (هكذا نتحاور.. هكذا نختلف)، كان ذلك في نهاية العام 1995، أي منذ ثلاثين عاماً! وكلمتا الحوار والخلاف الواردتان في جملة العنوان، لا تشيران إلى وجود مفارقة حتمية أو تضاد! فالاختلاف أو الخلاف ليسا نتيجة حتمية للحوار، لكن غياب الحوار قد يقود إلى نتائج سلبية، منها سوء الفهم والأحكام المسبقة والحساسية الشديدة تجاه الشخص المختلف!
اليوم، وبعد آلاف المقالات ومرور الكثير من الزمن والتجارب والتغيرات التي عصفت بالعالم وغيّرت كل ما حولنا وغيّرتنا، أعود للتحدث عن الموضوع نفسه، عن وجود الحوار وعلاقته بالاختلاف، وعن الحساسية المتزايدة تجاه النقد، ما أدى إلى غياب النقد للأعمال الأدبية والفنية والدرامية وللشعر وبرامج التلفزيون والمؤسسات والأداء الإداري.. وغير ذلك، والسبب هو سوء الفهم الحاصل لوظيفة النقد عند الناقد والمنتَقَد، الخلط بين الاختلاف في الرأي والإساءة، بين نقد العمل والأداء ونقد الشخص.
أصبح الكثير من النقاد والكتاب تحديداً والموظفين وحتى طلاب الجامعات يترددون كثيراً قبل أن يقولوا رأياً مختلفاً أو معارضاً للسائد، صار من الصعب أن يقول الواحد منا رأياً يخالف ما يقوله الآخرون حتى لا يصنّف بالغيور والحاسد وعدو النجاح، ودون أن يجد نفسه مطالباً بالاعتذار أو إثبات حسن النوايا والخوف! نعم، الخوف من المواقف التي قد تتخذ ضده بسبب رأيه المعارض للمدير أو للفنان أو للمنتخب أو لفلان المشهور أو المطرب المعروف أو حتى لكتاب يقرأه!! وأصبح كثيرون يتعاملون مع النقد كما لو أنه اعتداء وتطاول على شخصهم الكريم، ومع الرأي المختلف على أنه حملة أو موقف عدائي ضدهم.
نحن اليوم في مجتمع قطع أشواطاً هائلة في التعليم والانفتاح والتطور الاقتصادي والتكنولوجي، وأصبحنا على قائمة أفضل المجتمعات في الممارسات الإدارية، لذلك يبدو من المفارقات أن تتسع أمام الإنسان فرص المعرفة والتعبير، بينما قد تضيق قدرته على احتمال الرأي المخالف.
الحق أننا نحتاج، أفراداً ومجتمعات، للنقد؛ فالإنسان والمجتمع الواثقان بنفسيهما يحتاجان إلى أصوات تسأل وتناقش، أكثر من احتياجهما إلى أصوات تصفق وتوافق دائماً.
