عندما كتبت (حوش الغرباء) كمتوالية قصصية، لم يكن الهدف التجريب ولا البحث عن مجال آمن للإبداع ولا لمجرد إثبات الذات والقدرات، وإن كنت أعتبر الكتابة ولا أزال نوعاً من إثبات الوجود ومحاورة الحياة والميدان الأكبر الذي يتيح للإنسان أن يقول كلمته بالطريقة التي يريدها، والكاتب أن يطرح المزيد من أسئلة الوجود والحياة والتاريخ والماضي والحاضر.
، لهذا كتبت حوش الغرباء تحديداً، لم تكن كتابة لممارسة الحنين ولا وقوعاً في شرك الوقوف على الأطلال، كانت كتابة على طريق استنهاض حالة الانتماء والمحبة لما كان وبالطريقة التي كان بها فعلاً بعيداً عن التزييف والمبالغات والتشويه والانتقاص والتناقض.
تشبه هذه الكتابة ذلك الحفر في الأرض والتاريخ والذاكرة كي لا تتفلت وتضيع، لأن الذاكرة وجود آخر وإثبات مهم للجميع، لمن كانوا ولمن لا يزالون على قيد الحياة ولمن سيأتي بعدهم في مقبل الأيام.
هذه الكتابة تشبه ما تقوم به البلديات في الحفاظ وتوثيق أعداد وأنواع أشجار الغاف في الإمارات، فعلى جذع كل شجرة غاف لوحة معدنية توثقها وتمنحها رقماً وهوية ووجوداً حتى لا ننسى أنها شجرة من أصل وعمق هذه الأرض، وكذلك تفعل كل الأمم مع عمارتها وثقافتها وأحيائها القديمة، وكذلك مع تراثها وموسيقاها و....الخ.
ومن ذلك ما يفعله الفلسطيني الذي يحتفظ بمفتاح بيته الذي طرد منه عام 1948، إنه يقبض على المفتاح ويعلقه أمام عينيه وأعين أبنائه لإثبات وجوده هو ووجود بيته وحقه، حتى يستطيع مواصلة الحياة بثقة!
لقد كتبت «حوش الغرباء» رغبة في حفظ الحكايات التي عاشها أهلنا، وتوثيق بداياتهم وأنماط حياتهم، واستعادة عالمهم الذي أخذ يتوارى شيئاً فشيئاً، حتى بات مهدداً بأن يتحول إلى مجرد صور باهتة، أو روايات مبتورة، أو حكايات لا يجد أصحابها من يرويها.
ولم تكن هذه الكتابة رحلة في طريق ذلك الحنين الذي يجمّل الماضي إلى حد تزويره، ويخلع عليه من الفضائل ما لم يكن فيه. لم أرد أن أكتب عن زمن مثالي، ولا أن أستعيد حياة خالية من القسوة والفقر والتناقضات. أردت أن أكتب عن ذلك العالم كما كان، ببساطته وخشونته، بأفراحه الصغيرة وأوجاعه الكبيرة، بعلاقاته الحميمة وتفاوتاته وظلمه أحياناً، وبكل ما كان يمنحه خصوصيته الإنسانية.
