في ثلاثية «الدفتر الكبير» الرواية البديعة التي لا يمكنك نسيانها ما إن تقرأها وتدخل في أجوائها، والتي أبدعتها الروائية المجرية أغوتا كريستوف نتيجة معاناة حقيقية، لا تدع لنا هذه الكاتبة أية فرصة لنلتقط أنفاسنا، إنها تدخلنا إلى مسرح الأحداث وتضعنا في قلب المعركة مباشرة.
فنتابع أهالي القرية وهم يستقبلون الموت الذي تقذفه الطائرات الحربية، ونتابع طفلين صغيرين شقيقين وهما يتعاملان بهشاشة الطفولة وقسوة اليتم مع كل الأهوال التي يواجهانها.
نرصد الكاتبة تحول شخصية الطفلين اللذين بالأمس كانا يلهوان ببراءة، ليتحولا إلى «شيطانين خبيثين وبريئين في الوقت ذاته»، بعد أن جردتهما الحرب من ملامح الطفولة الغضة، دافعة بهما إلى مرحلة أخرى.
، فأمكنهما حرق منزلهما والهروب بعيداً، لقد بنت أغوتا تلك العوالم بشكل جعلنا مشدودين تماماً لمراقبة تحولات هذين الصغيرين والتعاطف معهما، فكل ما كان منهما ليس سوى محاولة للنجاة بنفسيهما من ويلات الحرب في ظل غياب الأب والأم في ساحة معارك قاسية وقاتلة.
لا تسمي الكاتبة أحداً من أبطال روايتها، ذلك أن دمار وتشوهات الحرب، يمكنها أن تطال الجميع حيثما وُجِدوا، وبالطريقة نفسها! فالكل سواسية أمام الحرب، وهنا نلاحظ أن أغوتا لا تكتب كثيراً عن القتلى والغارات والمقابر الجماعية ومعسكرات التعذيب، لكنها تكتب بطريقة ضربات سكين مؤلمة:
كيف يتفتح وعي الصغيرين خلال الحرب على انهيار أخلاق الجميع دون استثناء، إنها الحرب، التي تدمر ما هو أهم من البيوت، لقد لوثت الحرب بطلي أغوتا في الرواية، وغيّرتهما، ومحت كل أثر للطفولة فيهما، ودفعتهما لأسوأ ما يمكن تصوره!
ولدت أغوتا كريستوف في هنغاريا عام 1935، وبسبب الحرب هاجرت إلى سويسرا، حيث عملت في مصنع للساعات، وبقيت خمس سنوات غير قادرة على القراءة بالفرنسية، وحين تعلمت اللغة صارت تخطئ في لغتها الأم، وتدخل فيها أحرفاً زائدة بسبب الفرنسية، ما يعني أن المنفى، كما توحي تجربتها، لم يمنحها ككاتبة لغةً جديدة فحسب، بل غير علاقتها بلغتها الأم أيضاً.
توفيت سنة 2011 في سويسرا، بعد أن دخلت في حالة اكتئاب وشعور بانعدام الهدف وغياب الجدوى من كل شيء، فتوقفت عن الكتابة نهائياً قائلة: «لم تعد الكتابة تمنحني شيئاً».
