رحيل الشيخ أحمد بن راشد

ثمة وفيات تحزننا لأن شخصاً عزيزاً قد رحل عنا، وثمة وفيات تحدث أثراً أكبر من الحزن، أو تجعل الحزن مضاعفاً، يذهب عميقاً في تلافيف ذاكرتنا كأشخاص وذاكرة المدينة كمكان وزمان.

ولقد كان خبر رحيل الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم صادماً لقلوبنا ولمدينة شهدت حياة وأدوار وأثر المغفور له الشيخ أحمد بن راشد في سرديتها العامة، وفي تاريخ كثير من مؤسساتها.

إلا أن مكانة الفقيد تتجاوز المناصب وهي أكبر من الألقاب التي حملها، فقد كان الفقيد من جيل الرجال الذين عرفوا دبي حين كانت مدينة صغيرة لم تتسع شوارعها إلى ما أصبحت عليه، وقبل أن تتغير ملامحها بهذه السرعة المذهلة التي نراها والتي يعرفها العالم اليوم.

إننا كأبناء وبنات دبي حين نفكر اليوم في تلك السنوات الصعبة التي أخبرنا عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في رسائله العظيمة، لا يبدو لنا الأمر سهلاً؛ فنحن نعرف ونرى دبي كما أصبحت اليوم، نعرف الأندية والمضامير العالمية ونعرف المطارات والموانئ والجسور والطرق والأبراج الشاهقة.

لكن الرجال الذين عاشوا البدايات وعاصروا دبي في ذلك الزمن لم يكونوا يعرفون ما ستصل إليه دبي لكنهم آمنوا بها.

لقد كان عليهم أن يؤمنوا بشيء لم يكن موجوداً بعد، وهذا هو الفارق، كان عليهم أن ينظروا إلى خور صغير ومدينة محدودة الموارد وإمكانات متواضعة، ثم يصدقوا أن المستقبل يمكن أن يجعل من كل هذا مدينة بحجم أسطورة وأشبه بمنارة!

والشيخ أحمد بن راشد عاش تلك الرحلة كلها تقريباً؛ عاش دبي الأولى، وعاش دبي التي أخذت تكبر وتتغير، ثم عاش حتى رأى المدينة التي حلم بها جيل والده وقد تجاوزت ربما حتى أكثر أحلام ذلك الجيل جرأة ومستحيلاً.

اليوم نحن لا نودع مسؤولاً وابناً وأباً وأخاً فقط، وإنما نودع شاهداً آخر من شهود البدايات، فالمدن، كما البشر، تحتاج دوماً إلى من يذكر بأيامها وبداياتها، وهذا ما يعلمنا إياه اليوم راعي مسيرة ونهضة دبي، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

رحم الله الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، وأحسن إليه، وجزاه عن أهله وبلده خير الجزاء، ورحم الله جيلاً حمل دبي في ذاكرته وفي قلبه قبل أن تحمل دبي صورتها التي يعرفها العالم اليوم.