حين نتعامل مع طفل، أو طالب، أو ابن، أو حتى قارئ ومستمع، نفترض نحن كآباء وأمهات ومعلمين، أننا نعرف ما يحتاج هذا الصغير إلى معرفته. لأننا دائماً ننطلق من فكرة الوصاية والأستاذية، فالوصي هو الحريص، العالم بالخفايا والمصالح، والأستاذ هو المحيط بكل شيء، والذي يمتلك إجابات جميع الأسئلة، لذلك وبمجرد أن نجلس معهم ونبدأ في الحديث، نجد أنفسنا وقد انجرفنا مباشرة للشرح والنصح والتحذير والتلقين، وتكرار عبارات من نوع (الأكبر منك بيوم أعلم منك بسنة).. إلخ!
أما الحقيقة التي لا نحاول الاقتراب منها فهي أن لهذا الصغير أسئلته الخاصة التي تشغل ذهنه، والتي تدور بينه وبين أقرانه، أو بينه وبين نفسه، وغالباً ما لا يجد إجاباتها فيما نقوله له، فيظل عقله وتفكيره في مكان آخر بعيد عنا تماماً.
لذلك حين يتحدث الكبار عن النجاح والاستقامة والسلوك الجيد والدراسة والمستقبل، يسأل الصغار سراً: لماذا نموت؟ ولماذا يوجد فقراء؟ هل يسمع الله الجميع حين يدعونه؟ لماذا يموت الأطفال؟ ولماذا تحدث الحروب؟ وكيف أصبح غنياً مثل زميلي؟... أي أن الفجوة ليست بين من يعرف ومن لا يعرف، بل بين من يتكلم ومن لا يُسأل عما يريد أن يعرفه.
وهنا يمكن القول إننا مجتمع مولع بالإجابات وفرضها، نربّي أبناءنا بالطاعة وبالإجابات، ونمارس التعليم بالإجابات، ونملأ وسائل التواصل بالنصائح والمواعظ المعلبة، لكننا نادراً ما نقول للآخر: ما الذي يحيرك؟ ما الذي تخشاه؟ ما السؤال الذي تبحث له عن جواب؟ لأننا نخاف الأسئلة المحرجة والمربكة والصعبة.
والأكثر إثارة أن الأمر لا يخص الأطفال فقط! فكم زوج لا يعرف السؤال الذي تخفيه زوجته، وأب لا يعرف ما الذي يقلق ابنه، ومعلم يعرف المنهج كله، ولا يعرف ما الذي يدور في رأس تلميذه، ومسؤول يتحدث طويلاً إلى الناس دون أن يعرف السؤال الذي يريدون هم أن يطرحوه عليه. نحن نعرف الكثير عما نريد قوله للآخرين، والقليل جداً عما يريدون هم قوله لنا.
بل قد تكون الموعظة أحياناً طريقة غير واعية للهروب من الإصغاء، لأن تقديم النصيحة يمنحنا موقع العارف، بينما الاستماع إلى السؤال يضعنا أمام احتمال مربك: أن تكون لدى الآخر أسئلة لا نملك لها إجابات أبداً!
