متعة الكتابة عند ماركيز

يقول غابرييل غارسيا ماركيز، في مقدمته اللافتة لكتاب يضم مجموعة من أجمل القصص التي كتبها، والذي عنونه بـ«اثنتا عشرة قصة قصيرة مهاجرة»: «الاثنتا عشرة قصة التي يضمها هذا الكتاب كتبت على امتداد ثمانية عشر عاماً.. لقد كانت ولادة هذا الكتاب تجربة إبداعية تستحق الشرح، فقبل أن تأخذ القصص شكلها الحالي الذي ظهرت عليه، ظهرت خمس منها كمقالات صحفية، وسيناريوهات سينمائية، وواحدة كمسلسل تلفزيوني، وهناك واحدة كنت قد رويت قصتها في لقاء مسجل مع زميل قام بإعادة كتابتها بعد المقابلة ونشرها».

ماركيز، الروائي العظيم، وصاحب رواية «مئة عام من العزلة» التي أراها أعظم رواية في تاريخ الأدب الإنساني، كان مصاباً بإدمان وشراهة الكتابة والابتداع والتجريب، وليس بحب الكتابة فقط، ولذلك خاض مغامرات وتجارب عظيمة، بعد أن غادر الصحافة إلى عالم الأدب، وأبدع كما لم يبدع أحد.

إنه حتى حين يكتب مقدمة من صفحات قليلة لمجموعة قصصية تشعر وأنت تقرؤها بأنك تقرأ مغامرة أدبية أو سراً آسراً من أسرار الكتابة لن يمنحك إياه بكل هذا الكرم والصدق والأريحية إلا رجل نذر عقله وعمره للكتابة.

إن ماركيز وهو يكتب فإنه يؤسس ويوثق لتاريخ كتابته، ولكل خطوة مشاها وهو يجمع مادة كتابته، تسجيل الأفكار، مراجعتها، النظر بين وقت وآخر إلى طبيعتها وصلاحية أن تكون قصة أو مجرد مقال صحفي، نسيانها تماماً إذا لم تكن صالحة، ثم إلزام نفسه بتقاليد صارمة من الكتابة.

كان يفعل ذلك كمن يلقي أوتاداً قوية في تربة الأدب وفضاء القص، ماركيز لا يثرثر، ولا يملأ صفحات لأنه يمتلك ناصية الأسلوب واللغة والخيال، بل لأنه يعرف أصول الكتابة الروائية وأسسها، لذلك يقول في هذه المقدمة «في الفقرة الأولى من الرواية يجب على الكاتب أن يحدد كل شيء: البناء، النبرة، الأسلوب، الإيقاع، الطول، وحتى طابع بعض الشخصيات أحياناً، ولا يبقى بعد ذلك إلا متعة الكتابة».

وإذا كان أرسطو هو المعلم الأول في الفلسفة، فإن ماركيز هو المعلم الأول في الأدب والكتابة، في كتابة القصة والرواية والسيناريو والمقدمات.. إن مقدمة بفكر ماركيز لا يجوز تجاوزها وقلب صفحتها لأن قراءة ما بعدها ستغدو متعة ناقصة.