لكن تأجيل الموعد لم يكن إلغاءً للفكرة، وما تعذّر إقامته في وقته يعود اليوم ليقام بإصرار واضح على أن الحياة الثقافية لا ينبغي أن تكون أول ما يتوقف حين تضطرب الظروف.
ولعل في ذلك معنى يتجاوز معرضاً للكتاب، فالمجتمعات لا تثبت قدرتها على الصمود فقط باستعادة إيقاع الاقتصاد والعمل والحياة اليومية، وإنما باستعادة ثقافتها أيضاً؛ مسارحها ومتاحفها وكتبها وفضاءاتها التي يجتمع فيها الناس حول المعرفة والفكر والجمال.
فالعودة إلى الكتاب بعد ظرف استثنائي ليست عودة إلى نشاط ترفيهي مؤجل، بل إعلان بأن الثقافة جزء من الحياة التي نريد لها أن تستمر.
أن تعود الكتب إلى واجهاتها، وأن يعود الناشرون والكتّاب والقراء إلى اللقاء، يعني أن المدينة تستعيد إيقاعها الطبيعي بالطريقة التي تعرفها: تمضي إلى الأمام.
فلولا الكتب والثقافة لبدت الحياة أكثر جفافاً وأشد فقراً، ولعشنا محصورين في حدود تجاربنا الشخصية الضيقة.
وحدها الكتب تمنحنا فرصة أن نحيا أكثر من حياة، وأن نرى العالم بعيون لم نولد بها، كما أن افتتاح معرض أبوظبي للكتاب أول من أمس، يقدم درساً آخر ومعنى إضافياً.
حيث لم تعد المسألة أن معرضاً تأجل ثم عاد، بل الحياة نفسها، بكل ما فيها من معرفة وجمال وفضول إنساني، تصر على أن تفتح أبوابها وتتجدد لأن الإنسان المصمم على البناء والحياة لا يستسلم للعراقيل أبداً.
