معرض أبوظبي للكتاب

يعود معرض الكتاب مجدداً ليفتح أبوابه للقراء والناشرين، وللكتب على اختلاف موضوعاتها وتنوّع عوالمها، في مشهد يتجاوز فكرة المعرض بوصفه مناسبة موسمية لبيع الكتب وشرائها، ليصبح شاهداً على ديناميكية المجتمع والثقافة، وعلى تحولات الذائقة الجمعية وأسئلتها واهتماماتها.

وتأتي هذه الدورة في ظرف مختلف؛ فقد حالت الاعتداءات الإيرانية وتداعياتها الأمنية دون انعقاد معرض أبوظبي الدولي للكتاب في موعده المعتاد، وأربكت حدثاً ظل حاضراً في الروزنامة الثقافية للمدينة والمنطقة.

لكن تأجيل الموعد لم يكن إلغاءً للفكرة، وما تعذّر إقامته في وقته يعود اليوم ليقام بإصرار واضح على أن الحياة الثقافية لا ينبغي أن تكون أول ما يتوقف حين تضطرب الظروف.

ولعل في ذلك معنى يتجاوز معرضاً للكتاب، فالمجتمعات لا تثبت قدرتها على الصمود فقط باستعادة إيقاع الاقتصاد والعمل والحياة اليومية، وإنما باستعادة ثقافتها أيضاً؛ مسارحها ومتاحفها وكتبها وفضاءاتها التي يجتمع فيها الناس حول المعرفة والفكر والجمال.

فالعودة إلى الكتاب بعد ظرف استثنائي ليست عودة إلى نشاط ترفيهي مؤجل، بل إعلان بأن الثقافة جزء من الحياة التي نريد لها أن تستمر.

وهنا تكمن دلالة عودة معرض أبوظبي للكتاب: أن الإماراتيين لم يتعاملوا مع ما حدث باعتباره سبباً للاستسلام للخوف أو الانكفاء، بل باعتباره ظرفاً عابراً يمكن تجاوزه.

أن تعود الكتب إلى واجهاتها، وأن يعود الناشرون والكتّاب والقراء إلى اللقاء، يعني أن المدينة تستعيد إيقاعها الطبيعي بالطريقة التي تعرفها: تمضي إلى الأمام.

وفي كل مرة يعود فيها المعرض، يتأكد أولئك الذين ربطتهم بالكتب علاقة تتجاوز القراءة العابرة؛ أن الكتاب ليس شيئاً زائداً عن حاجات الحياة، ولا ترفاً يمكن الاستغناء عنه، بل واحد من الأشياء التي تمنح هذه الحياة معناها وعمقها.

فلولا الكتب والثقافة لبدت الحياة أكثر جفافاً وأشد فقراً، ولعشنا محصورين في حدود تجاربنا الشخصية الضيقة.

وحدها الكتب تمنحنا فرصة أن نحيا أكثر من حياة، وأن نرى العالم بعيون لم نولد بها، كما أن افتتاح معرض أبوظبي للكتاب أول من أمس، يقدم درساً آخر ومعنى إضافياً.

حيث لم تعد المسألة أن معرضاً تأجل ثم عاد، بل الحياة نفسها، بكل ما فيها من معرفة وجمال وفضول إنساني، تصر على أن تفتح أبوابها وتتجدد لأن الإنسان المصمم على البناء والحياة لا يستسلم للعراقيل أبداً.