الصورة.. إعادة صناعة الذكريات

كل تطبيقات التواصل الاجتماعي تعتمد على الصور الشخصية وغير الشخصية ومقاطع الفيديو القصيرة، حيث يتشارك رواد ونشطاء «إنستغرام» و«فيسبوك» و«تيك توك» وغيرها صورهم ومناسباتهم وعلاقاتهم وأسفارهم وتفضيلاتهم من الكتب والمطاعم والأطعمة والثياب والمقاهي و.. إلخ، لا أحد (إلا فيما ندر) يريد اليوم أن يحتفظ بذاكرته وذكرياته لنفسه، وكأنه لم يعد هناك متسع في الذاكرة لمزيد من الذكريات والصور، كما لم يعد الناس يملكون ألبومات الصور التي كانت تضم صور الطفولة والمدرسة والشباب والجامعة والمدن التي سافروا إليها، أصبح كل مخزون الأيام والذاكرة مودعاً في صندوق أمانات داخل تطبيقات الفيس والإنستا وغيرها!

هل تذكرون ألبومات الصور؟ كاميرات التصوير وأفلام كوداك؟ شرائط الأفلام النيجاتيف التي ترفق بكومة الصور داخل مغلف يحمل اسم أحد الاستديوهات التي تظهر لنا صور السفر وحفلات أعياد الميلاد ورحلات المدرسة؟ ألبوم الصور هذا واحد من العلامات الفارقة في حياة جيل السبعينيات والثمانينيات، علامة ارتبطت بالذكريات والزمن وطريقة التعاطي معه والاحتفاظ به، فلم يكن لدينا سوى تلك الطريقة للمحافظة على ذلك المخزون الثمين، أما اليوم فقد أقنعونا واقتنعنا بأن هذه الطريقة (قديمة) أولاً ومضى زمانها، وهي مكلفة ومضيعة للوقت، وأن الأسهل والأرخص والأضمن أن نسلم التكنولوجيا كل ذاكرتنا وعواطفنا وأفكارنا!

فلماذا استسلم البشر لفكرة التخلي عن الخصوصية؟ وصاروا يتشاركون صورهم الشخصية وصور عائلاتهم وتفاصيل حياتهم وأسرارهم مع الجميع؟ هل لأن نشر الصورة على السوشيال ميديا يشكل حفظاً مضموناً للذكرى، أم لأن التطبيقات والتفاعلات على تلك الصور تعيد صناعة الذكرى وحفظها بشكل مختلف؟ أم هي الرغبة في أن يشهد الآخرون حياتنا، لأن الإنسان لا يريد دائماً أن يعيش الحدث فقط، بل يريد أن يكون الحدث مرئياً ومُعترفاً به. الحفلة، السفر، الزواج، التخرج،...إلخ، هذه كلها حين نتشاركها نحصل على نوع من التصديق الاجتماعي والإعجاب!