إنسانية الحكم والحاكم

في رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لولي عهده سمو الشيخ حمدان بن محمد، والتي تعد وثيقة ودرساً في الحكم وعلاقة الحاكم بمن يحكمهم باعتبارهم أمانة ومسؤولية قبل أن يكونوا مجرد شعب عليه أن يضبط أمورهم ويوجههم، يظهر بشكل جلي أن سموه لم يكن يؤكد لحمدان نجاحه في العشرين عاماً الماضية كرئيس للمجلس التنفيذي، ولكنه أراد أن يقول له في بنية الرسالة كلها وعباراتها المؤثرة، ما هو أعمق وأكثر شمولاً واتساعاً:

«كلما اقتربت من قمة السلطة يا حمدان، ازدادت حاجتك إلى أن تبقى بعيداً عن غرورها ومطباتها».

ولهذا جاءت أفكار الرسالة متسلسلة بحسب علاقتها بهذه الفكرة: فالمحبة أولاً، ثم المسؤولية، فالعدل، والصدق والحذر من المحيطين، وتطبيق القانون، الضمانة الأولى والأكثر رسوخاً لاستقرار الحكم والمجتمع، فالقرب من الناس والرحمة بهم صغيرهم قبل كبيرهم.

هذه الرسالة يقدمها الحاكم الإنسان، وليس الحاكم المنظر أو الذي يطل على الإدارة والناس من برج عاجي، أو من خلال الكتب والأوراق، لذلك تبدأ بالإنسان (بمحبته) وتنتهي بالإنسان (بالرحمة به) وبين المحبة والرحمة يقف القانون ضابطاً حافظاً لحقوق الجميع واستقرار الدولة، الإنسان الذي وضعته الأديان والفلسفات والمواثيق الحقوقية على رأس الأولويات، وجعله الفيلسوف مالك بن نبي عنصر ومكون الحضارة الأول عندما صاغ معادلة الحضارة فقال إنها تتكون من: الإنسان + الوقت + التراب (يقصد الموارد والإمكانيات).

فلولا الإنسان ما قامت حضارة، ولا تأسست دولة، ولا كان هناك حكم وازدهار وسيرورة حياة.

إن أجمل وأرق ما يمكن استخلاصه في باب إنسانية الحكم هو هذا التوجيه العظيم: «لا تحكم الناس من فوقهم، اعرفهم، واسمعهم، وأنصفهم، ولا تسمح لمن حولك أن يعزلوك عن حقيقتهم.

فالسلطة التي تخسر الحقيقة تخسر الناس، والسلطة التي تخسر الناس تفقد معناها مهما بقيت قوية» وهذا، هو المعنى الأكثر أهمية في الرسالة: إنها تجعل من (الحكم) اختباراً أخلاقياً للحاكم والمحكوم، قبل أن يكون امتلاكاً للسلطة.