الجموع الصامتة!

كنت أتساءل كثيراً عن سبب هجوم الجميع على مواقع التواصل، وحجز صفحات على التطبيقات المعروفة، قبل أن يفهموا هدف هذه المواقع، وهدفهم من الوجود فيها، وفي ما إذا كانوا يملكون محتوى محدداً، أو رسائل ذات قيمة يودون إيصالها وتقديم أنفسهم من خلالها!

كنت أقول لماذا يوجدون في مكان لا صوت لهم فيه! كانوا يذكرونني بما درسته في علم السياسة حول حكومات الظل ورجال الظل، والآن ها هم جموع الظل في إمبراطوريات وسائل التواصل الاجتماعي!

تدريجياً بدأت أفسر هذا الإصرار على الوجود المثير للتساؤل، عندما قرأت عن ظاهرة الجمهور الصامت على السوشال ميديا، الذين يراقبون حسابات الآخرين.

ويتلصصون على أخبارهم وحركة حياتهم، خاصة أولئك الذين يحلو لهم وضع تفاصيل حياتهم كلها على صفحاتهم، فصارت هذه الصفحات كغرف المعيشة وغرف النوم، يتم فيها ما يفترض أن يكون خاصاً جداً، ومن المعيب أن ينشر أمام الملأ، وتحديداً بالنسبة للنساء والرجال كذلك!

وعدت أتساءل هل هذه الظاهرة طبيعية؟ هل من المقبول أن يخرج الرجل شبه عارٍ من الحمام ليرتدي ثيابه قطعة قطعة أمام الجميع؟ هل من المقبول أن تزيل المرأة شعر وجهها أو رجليها على الهواء مباشرة؟

هل من الطبيعي أن يخبرنا المشهور عن ثيابه التي سيرتديها هذا اليوم، ويستعرضها قطعة قطعة، وكذلك تفعل النساء؟

كانت جداتنا يرددن دائماً (الحياء نقطة إذا زالت انتهى كل شيء)، إن هذا المحتوى لا هدف له سوى أن يزول حياء الإنسان، وتنعدم قيم إنسانية عظيمة، تمنح الحياة معناها وهدفها.

نعود لجموع المشاركين الصامتين، فحين بحثت وجدت من يؤكد أن وجودهم ظاهرة طبيعية جداً من الناحية النفسية والاجتماعية، بل إن منصات التواصل الحديثة بُني جزء كبير من «اقتصادها» على هذا النوع من المستخدمين تحديداً.

وهم لا يوجدون للفرجة على الآخرين والتلصص على حساباتهم وأنشطتهم وحركتهم فقط، لكن وراء الظاهرة دوافع أكبر وأعم. أساتذة الإعلام والمنظّرون يؤكدون أن هناك نوعين من هؤلاء:

مشاركون لا ينتجون محتوى، ومشاركون لا يشاركون اجتماعياً. الفريق الأول قد يكون صامتاً لكنه يقرأ، يتابع، يتعلم، يتفاعل في الخاص مثلاً، أو يجد في المنصة نافذة على العالم. أما الثاني فيستخدمها أساساً للمراقبة، دون رغبة حقيقية في الانخراط!