وحدهم محبو السفر، والرحالة الذين يجوبون الأصقاع بحثاً عن المتع الكامنة والجمال الساكن في الطبيعة والطقوس والثقافات، يعون ويصدقون أن أجمل مدينة هي تلك التي لم نزرها ولم يخبرنا أحد بعد أنها الأجمل، ذلك أن متعة السفر الحقيقية تكمن في أن نذهب إلى مكان لا نعرفه جيداً، فنراه للمرة الأولى بأعيننا، لا بأعين الآخرين، ولا بكاميرات نشطاء السوشيال ميديا!
قرأت منذ مدة تقريراً عن عدة دول يعتبر الكثير من الناس أمر زيارتها حلماً من أحلام حياتهم فيسعون لزيارتها بكل وسيلة، وبرغم وجود هذه المدن ضمن تقرير يحمل هذا العنوان الصادم (أكثر المدن المخيبة لآمال السياح) إلا أن التقرير يؤكد أن كون هذه المدن مخيبة للآمال لا ينفي عنها ما عُرفت به من تاريخ وجمال وثقافة وسحر، والغريب أن تحتل (باريس) مدينة النور والثقافة صدارة التقرير، وأن يلازمها ما يعرف عالمياً بـ(متلازمة باريس)، وتعني حالة الصدمة النفسية أو خيبة الأمل الشديدة التي قد يشعر بها كثير من السياح عندما يزورون باريس، الذين يحتفظون في أذهانهم بصورة مثالية جداً عن هذه المدينة الساحرة والتاريخية، لكنهم يصطدمون بواقع مختلف.
فباريس التي في الخيال تخالف باريس التي في الواقع، وهذا ما عشته شخصياً على امتداد ثلاثة أيام زرت فيها مدينة كنت قد راكمت في ذهني أنها مدينة رومانسية، أنيقة، هادئة، نظيفة، مليئة بالمقاهي الجميلة والشوارع الساحرة، كما تظهر في الأفلام والصور والروايات، فإذا بي أجدها مدينة ضخمة لا تخلو من قذارة واضحة وازدحام، وضوضاء لا تطاق!
لقد أصبح للسفر معنى وتوجهات وأهداف تختلف عما كان سابقاً، الناس تسافر اليوم وفق قوائم تتفق على الأمكنة والمقاهي والمطاعم، للترويج والتصوير، لا للمتعة الحقيقية والاستفادة، كمن يذهب لمشاهدة مباراة أو عرض فني فيقضي كل الوقت في تصويره دون أن يراه، هناك من حول المدن والأمكنة إلى مجرد صور يتربح منها، دون أن يعيش متعة وجوده فيها، وهذا يعني أن هذا النوع من المسافرين على التيكتوك والإنستغرام لم يعودوا يروجون للمدن فقط، إنهم يعيدون ترتيب الخريطة السياحية نفسها، فيجعلون مكاناً صغيراً «مدينة ساحرة»، فتأتيه الحشود، فتتغير طبيعته واقتصاده ومكانته!