بالأمس قرأت هذه العبارة للأديب والفيلسوف اليوناني العظيم نيكوس كازانتازاكي: «ذات مرة رأيت نحلة تغرق في العسل ففهمت!» فتساءلت ما الذي فهمه الفيلسوف؟.
ربما يعمل عقل الفيلسوف في اتجاهات أخرى وبطريقة مغايرة لنا كأشخاص بسطاء، لكن هذه الملاحظة ستقود معظم المتأملين لنتيجة خلاصتها: أن انغماس الإنسان في أي شيء يحبه يمكن أن يقوده للهلاك؛ لأن الإفراط تدمير للجسد والروح والعقل، والنجاة تكمن دوماً في التوازن والعقلانية، لكن الأقوال سهلة دائماً، أما التنفيذ فيحتاج إلى عقول كبيرة ورشيدة ومتأملة، وهذه العقول غالباً ما نصل إليها أو نحصل عليها في عمر متقدم، إنها إحدى نتائج أو خلاصات التجربة!
«ذات مرة رأيت نحلة تغرق في العسل، ففهمت!» تبدو عندما نقرؤها للمرة الأولى وكأنها حكاية صغيرة، لكنها تحمل مفارقة عميقة: ما نطلبه بشدة، وما نعتقد أنه سيمنحنا السعادة، قد يصبح هو نفسه سبب هلاكنا حين نفرط في الانسياق فيه.
إن العسل الذي صنعته النحلة ليس دائماً طريق نجاتها وفخرها بعملها. فالنحلة التي صنعت العسل، وجاءت إليه، وأكلت منه، وجدت نفسها عاجزة عن الخروج منه. الشيء الذي كان ينبغي أن يكون غذاءً صار فخاً لها ومقتلة في الوقت نفسه.
هذا هو المعنى الحرفي للإفراط، فحتى الأشياء الجميلة إذا تجاوزنا في استخدامها أو الإقبال عليها تنقلب إلى ضد، أما التعلق فهو واضح في الصورة، فما نتمسك به بشدة قد يُفقدنا القدرة على الحركة والخلاص، فلا نعود قادرين على الفكاك منه، إنه يجذبنا ونحن مستسلمون له إلى أن نجد أنفسنا وقد غرقنا في بحر من العسل. «وسقطت في بحر العسل»، أظن أنه كان عنواناً لأحد الأفلام العربية الشهيرة)؛ لذلك فنحن لا نهلك بسبب ما نكرهه، بل بسبب ما نرغب فيه أكثر من اللازم.
يقضي الإنسان عمره في البحث عن «عسله الخاص»؛ المال، الحب، الشهرة، السلطة، النجاح، المعرفة، المركز، النفوذ.. ثم يكتشف أنه حين امتلكه وغرق فيه، فقد حريته، فالأشياء التي تستسلم مهامها ولا تستطيع الاستغناء عنها تملكك بدل أن تملكها، وعندها تكون قد كتبت نهايتك دون أن تدرك إلا في اللحظة الأخيرة!