«انتقام الغفران»، للروائي والقاص والمسرحي الفرنسي إريك إيمانويل شميت، ليست رواية بالمعنى المتعارف عليه، بل مجموعة مكونة من أربع حكايات أو روايات قصيرة «نويلا» يجمعها موضوع واحد هو الغفران وعلاقته بالانتقام، عبر سياق متماسك لسيرة إنسان يتعرض لصدمة أو كارثة أو جريمة، وبعد مضي زمن يقف في مواجهة ظالمه وجهاً لوجه في لحظة يكون فيها المظلوم أقوى والظالم في أضعف حالاته! هنا يكون السؤال: ما هو التصرف المتوقع من المظلوم؟ وهل يمكن لسلوك إنساني أن يجمع بين الغفران والانتقام في الوقت نفسه؟
صدر الكتاب بالفرنسية عام 2017، وترجمه أبو بكر العيادي للعربية ترجمة موفقة وسلسة جداً، وصدرت النسخة عن دار مسكيلياني في طبعتها الأولى عام 2019. والحقيقة أنني إذا أردت أن أصف الكتاب بعيداً عن الأوصاف والتقييمات الأدبية المعروفة، يمكنني ببساطة القول إنه قد مضى زمن طويل لم أقرأ كتاباً بهذه المتعة والسلاسة والشغف.
والحق فإن شغف القراءة لا يعرف قدره تماماً إلا أولئك القراء الذين بدأوا حياتهم بقراءة كتب لم يكونوا يستطيعون تركها أو وضعها جانباً، إلا بعد إتمامها، لا شك أن شغف البدايات يلعب دوراً في ذلك النهم الذي يدفعنا لإتمام أي كتاب نبدأ فيه، ولا شك أن للعمر الصغير وعدم وجود انشغالات وهموم تزحم الرؤوس دوراً كذلك، إلا أن علينا أن نعترف أن الكتب التي من ذلك النوع أصبحت قليلة مقارنة بكمية ما يطبع وما يعلن ويروج له، بعيداً عن كونه عربياً أو غير عربي، فحتى الكتب غير العربية تعاني إما من اختيار سيئ من قبل دور النشر، وإما من ترجمة غير موفقة، إلا فيما ندر!
بالنسبة لـ«انتقام الغفران» (وفي العنوان، كعتبة أولى من عتبات الكتاب، يقال المثير فعلاً) يضع الكاتب سؤاله المشترك في جميع الحكايات جاعلاً منه حبكة العمل وأساسه وقضيته الكبرى التي يمكن تلخيصها بالشكل التالي: هل الغفران هو النقيض الحقيقي للانتقام، أم يمكن أن يكون الغفران نفسه شكلاً من أشكال الانتقام؟
قراءتي للعمل مكنتني من الإجابة الدقيقة عن السؤال، وفتحت أمامي أفقاً آخر حول العمل الروائي الذي يخرج عن كل ما ألفناه من موضوعات، ليكون غير المألوف سبباً آخر لشغف القراءة.