قرأت منذ فترة رواية قصيرة للكاتب الفرنسي إيريك إيمانويل شميت، بعنوان (ارسم لي طائرة) ضمن أربع روايات قصيرة صدرت عام 2019 في كتاب واحد بعنوان (انتقام الغفران) عن دار مسكلياني. في هذه الرواية القصيرة يطالعنا مشهد بين أب كان ضابطاً في جيش هتلر (انضم للجيش كواجب وطني وليس لأنه نازي)، وابنه الشاب، وقد كان الحوار بينهما قاسياً، حيث يؤنب الشاب والده على اختيارات حدثت وانتهت منذ سنوات، وكان لها سياقاتها وأسبابها في السابق، لكن ولأن الظروف تغيرت، والسياسات انقلبت، والأفكار والقناعات صارت مقلوبة، فقد كان الابن مصدوماً وغير قادر على مسامحة والده.
هكذا هم الأبناء دائماً، عندما تتحول الحياة بمقدار 180 درجة عمّا كانت في الماضي، ويعتبرون هم أبناء اليوم وآباؤهم أبناء الماضي، يلجؤون إلى محاكمة آبائهم بشكل قاسٍ جداً، وكأن الجيل السابق كان يملك الحرية المطلقة في اختيار المصير، الحقيقة أن الإكراهات موجودة دائماً، والإنسان يخضع لها في أغلب الأحوال، وعلينا جميعاً أن نتعلم تقدير الظروف دون حاجة لمحاكمات فارغة!
والأمر نفسه يحدث مع الكبار القادمين من زمن وأفكار وعادات تغيرت اليوم بشكل كبير، وهي تتغير كل يوم ليحل محلها ما يناسب منطق العصر، لذلك فإن إجبار الشباب على أن يعيشوا في ثياب الماضي في كل شيء بحجة الحفاظ على الهوية، يبدو غير منطقي، بل يقود الطرفين للجدل والخلاف، وقد يتطور الأمر للقطيعة، خاصة عندما يتمسك كلٌ برأيه!
في الحقيقة، يتغير الأبناء منذ يذهبون للمدرسة، ويبدؤون في الاطلاع والقراءة، ويستخدمون وسائل التواصل، وتنهمر عليهم المعلومات من كل مكان، ثم يتعرفون ويخالطون أصدقاء من ثقافات عديدة ومتباينة، ثم يعولون ويسافرون، كل هذا يغير نظرتهم وتوجهاتهم وتقييمهم لكل شيء، وهذه هي طبيعة الحياة والتغيير والتأرجح الحامي بين الأجيال!
يقول الآباء والمعلمون نخشى أن يفقد هذا الجيل هويته ولسانه وثقافته! وهذه النقطة تستحق أن تُبنى عليها قراءة أعمق للجيل الخليجي الجديد، لا أظن أننا سنشهد بالضرورة حالة اختفاء كامل للهوية، وإنما يمكن القول: انتقال الهوية من كونها شيئاً موروثاً إلى كونها شيئاً يشارك هؤلاء في اختيار عناصره وإعادة تعريفه!