كيف نرى شباب اليوم

إن الحكم على الأجيال الجديدة من خلال معايير الأجيال السابقة وحدها يؤدي غالباً إلى قراءة ناقصة للواقع، لكن المشكلة ليست في التعميم فقط، بل في أن بعض المثقفين يقيسون «الثقافة» بما كانوا هم يتلقونه ويقرؤونه ويعرفونه.

بينما تغيّر تعريف المعرفة نفسها وأدوات إنتاجها، كما تغيرت موازين ومشكلات وتحديات وعلاقات العالم بعضه ببعض وبشكل جذري!

إن النظر لهؤلاء الشباب بهذا الحكم التعميمي يعتبر ظالماً وقاصراً، لأن هناك جانباً مضيئاً في مسيرة وحركة هؤلاء في المؤسسات التعليمية وتوجهاتهم نحو التخصصات الدراسية.

فهذه الأجيال الشابة التي ولدت سنوات ما بعد الألفية الثالثة، ومع انفجار ثورة التكنولوجيا الجديدة والذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل وأزمات العالم العديدة، أصبحوا يربطون بين التخصص وما يدور حولهم، وصاروا حريصين على التوجه لتخصصات علمية جديدة لم تعرفها أو تهتم بها الأجيال السابقة؛ لأنها لم تكن معروفة لهم بعد، ولم تكن مجتمعات الخليج الوليدة بحاجة ماسة إليها في البدايات.

الأهم في كل هذا أن هذه ليست تخصصات هامشية أو «موضات شبابية»، وإنما أصبحت جزءاً من مفاصل القوة الاقتصادية والعلمية والاستراتيجية للدول.

كما في مجالات التقنية الدقيقة مثلاً، وعلوم الإدارة الحديثة كإدارة المتاحف ومراكز أبحاث الفضاء وعلوم الاستنساخ والمعارض الدولية وغيرها.

وكذلك في الاقتصاد والعلوم الجديدة، والحقيقة أن الأجيال الجديدة أثبتت ذكاء في إحاطتها بما يحدث حولها بسبب توافر المعلومات على الشبكة الدولية وإلمامها باللغة الإنجليزية، فأصبحوا متفوقين في تخصصات لا نعرفها نحن ولم نهتم بها يوماً، لكنها اليوم تحرك مفاصل اقتصادات ودول العالم (كعلوم الفضاء / الأمن السيبراني / اقتصادات المناخ والطاقة المتجددة والأمن الغذائي ...).

في النهاية، هناك نقطة مهمة لا بد من أن أشير إليها، وهي أنه لا ينبغي أن نقع في خطأ معاكس ونحن ندافع عن أجيالنا الشابة، فليس صحيحاً أن كل شاب خليجي اليوم عبقري تقني، أو أن مجرد استخدامه للتكنولوجيا يعني امتلاكه معرفة عميقة، كما أن الجيل السابق ليس كله أسير الماضي، وليس كل ما في خطاب نقد الأجيال الجديدة خاطئاً!