الحياة بعد التقاعد 2-2

اعتاد بعض نشطاء السوشيال ميديا اتخاذ السخرية طريقة للتعبير عن مواقفهم وآرائهم، وتعد شخصية المتقاعد من أكثر الشخصيات عرضة للسخرية، بسبب الصورة النمطية التي ترتبط بالمتقاعد، هذه الصورة التي تكونت لأن الموظف طوال سنواته في الوظيفة لم يفكر في مرحلة ما بعد الخروج من المؤسسة، فنجده يقدَّم كرجل مزعج يشكل وجوده في المنزل عبئاً على زوجته وأبنائه، بسبب تدخلاته في كل صغيرة وكبيرة وبسبب آرائه واجتهاداته التي يفرضها على الآخرين!

هذا الوضع الحرج بالنسبة للمتقاعد نابع من كونه يمتلك فائضاً كبيراً من الوقت والضجر، يقابله انعدام كامل لخطة محددة لطريقة تمضية الأيام، عبر مهام أو أنشطة أو أعمال محددة.

إن جوهر المسألة هو أن موظفين كثراً راهنوا على دوام الوظيفة، فلم يستعدوا لسنوات التقاعد، ولم يتأقلموا مع متطلباتها. إن الشعور بعدم التأقلم مع الحياة بعد التقاعد (عند البعض) لا ينتج غالباً من فقدان العمل بوصفه مصدراً للدخل فقط، بل باعتباره مؤشراً على دور الإنسان وأهميته في مجتمعه، إضافة لدور العمل كمنظم للوقت والعلاقات، ومجمل ارتباطات وتحركات الموظف.

لماذا على الموظف أن يفكر بشكل جدي في سنوات ما بعد التقاعد؟ لأنها لن تكون بضعة أيام أو بضعة أشهر، ستكون رحلة أخرى ومرحلة طويلة من مراحل الحياة عليه أن يقطعها بأقل قدر من المتاعب والمضايقات، وسيكون وحيداً وبعيداً عن زملاء العمل والبيئة التي اعتادها، وربما يكون أبناؤه قد كبروا وتزوجوا وانفصلوا عن العائلة أيضاً، كل هذا يحتم على الموظف أن يستعد جيداً فلا يكون عبئاً على أحد ولا على الوقت ولا على نفسه، بل عليه أن ينظر لهذه المرحلة كمكافأة لا بد من التمتع بامتيازاتها، بعد عمر من التعب والجهد والمكابدة.

يمكن لبعض المتقاعدين أن يبدؤوا عملاً لطالما شكل حلماً منعتهم أعباء الوظيفة من التفرغ له، أو يطوروا هواية أو حرفة أو نشاطاً ما يتشاركونه مع من في مثل وضعهم: كالقراءة، العمل في الحديقة، أعمال الخزف، السفر... إلخ. التقاعد في نهاية الأمر مرحلة جديدة في الحياة وليس نهاية الحياة!