الليالي البيضاء

في هذه الأيام التي تتوسط فصل الصيف الحار وأيامه الطويلة الرطبة التي لا تخلو من الملل، يجد غالبية الناس في السفر مخرجاً مريحاً خاصة لمن يستطيع إليه سبيلاً، أما الذين لا يستطيعون فليس أمامهم سوى منصات الأفلام والقراءة، عن نفسي أحب السينما كثيراً، ولكنني أحب الكتب أكثر، لذلك أبحث عن جديدها وأتابع المهتمين بها، وفي الصيف يكثر نشطاء السوشال ميديا من أتباع مذهب (القراءة حياة) .

والذين يقدمون خدمة يشكرون عليها للقراءة والكتب عبر صناعة محتوى رصين يجد إقبالاً متزايداً، كما يبتدعون أنشطة حول الكتب والقراءة تعمل على زيادة انتشار ثقافة القراءة.

على إحدى الصفحات طُرح هذا السؤال: ما الكتاب الذي بعد أن انتهيت من قراءته تمنيت لو تستطيع نسيانه لتعاود قراءته مجدداً لشدة إعجابك به؟ سؤال طرحه صاحبه ربما ليتسلى، وربما ليقوم بعمل دراسة أو إحصاء من نوع ما، ولأنني من متابعي الصفحة، ذكرت (مائة عام من العزلة) رواية ماركيز الأيقونة، وروايتي المفضلة على طول الخط، أما صاحبة الصفحة فذكرت أن كتابها الذي تود نسيانه لتقرأه من جديد هو رواية (الليالي البيضاء)!

بالنسبة لي بدا الاختيار مفاجئاً، فأنا لم أشعر يوماً أن هذه الرواية هي أفضل ما كتبه دوستويفسكي، فلطالما نظرت إلى (الجريمة والعقاب) و(الأبله) و( المقامر ) و(الأخوة كارامازوف) باعتبارها من أفضل ما كتب، إلا أنني حينما أعدت قراءة العمل (وهو رواية صغيرة تنتهي في جلسة) عرفت لماذا يمكن اعتبارها رواية فارقة حين تقرأ بتأمل أعمق!

تبدو الرواية للوهلة الأولى، حكاية حب قصيرة عن شاب وحيد حالم يلتقي فتاة وحيدة في إحدى ليالي بطرسبورغ، لكن في جوهرها هي رواية عن الوحدة، والوهم، والحاجة الإنسانية إلى أن نُرى ونُحب، حتى لو كان الحب عابراً. وكما يقول الروائي الإسباني خوان خوسيه مياس (هكذا تفعل الوحدة) في حديثه عن أزمة الوحدة والاغتراب.

إن الوحدة في مدن الحداثة اليوم، حيث اكتفى البشر بالتواصل الافتراضي، تجعل الإنسان يجد في هذا النوع من الأدب صوتاً يقول معاناته، وآلام نفسه، فيستبدل الواقع الصعب الذي يحياه بالخيال كما فعل بطل الرواية الذي هو صورة عن الكاتب نفسه!