الحرية التي لا تحتمل!

حاول أن تضع أعصابك في الثلج، واقرأ تعليقات المتابعين على أي منشور أو تغريدة في أحد مواقع التواصل، يُبدي فيها صاحبها رأياً مغايراً أو مختلفاً عن الآراء السائدة! هل حاولت؟

إذا كنت قد فعلت فإن النتيجة لم تكن كما توقعت، والتجربة محبطة جداً بلا شك، وكل المقولات حول حرية الرأي واحترام وجهة النظر الأخرى التي لطالما تشدق بها الجميع، اتضح أنها في نهاية الأمر ليست سوى كلام لا أساس له من الصحة، مجرد ادعاءات وجمل مقتبسة ومنقولة من كتيبات تجمع اقتباسات من كلمات وعبارات وحكم لكبار الفلاسفة والكتّاب والروائيين وتُباع للناس كي يملأوا بها صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

من أكثر الموضوعات التي تظهر السقوط السريع للكثيرين أمام اختبار حرية الرأي واحترام وجهات النظر، وقد رصدتها مؤخراً في كل من: منصة إكس، وتطبيقي إنستغرام وفيسبوك:

أولاً، الخلاف الشديد حول ما يعرف بـ«نظام الطيبات» والذي يصل حد التشاتم والاتهامات وتوجيه السباب والكلام البذيء والتنمر... إلخ، من قبل أنصار هذا النظام وصاحبه، حتى لو كان صاحب الشتائم مجرد شخص لم يُنهِ دراسته الثانوية، والمتحدث طبيباً متخصصاً في أحد المجالات الطبية المتعلقة بالقلب والشرايين والغدد! إلا أن ذلك لا يمنع المؤمن بالنظام من اعتبار الطبيب شخصاً لا يفهم ومتآمراً وعدواً للإنسانية والطبيعة ونظام الحياة!

ثاني الموضوعات هو عندما يكتب شخص ما رأياً في تجربة بائسة عاشها في بلد معين، كتعرضه للاحتيال أو المعاملة العنصرية مثلاً، أو سوء الخدمة في المطار... إلخ، هنا تثور المشاعر الوطنية ويبدأ الآلاف في الدفاع عن تلك الخدمات وتلك المواقف التي يشهدون هم أنفسهم أنها سيئة وبجدارة.

إلا أن النقد من طرف آخر أمر غير مقبول حتى وإن جاء النقد نتيجة تجارب ومواقف حقيقية أولاً، وبشكل مهذب دون تطاول ثانياً، إلا أن النقد يصيب الكثيرين بحساسية لا مثيل لها، وتكون النتيجة تدفق سيل السباب والشتائم الذي يتحول لمعركة وطنية محتدمة!

ثالث الموضوعات هو ما يتعلق بالرياضة ومباريات كرة القدم، فلا أحد يتقبل الخسارة ولا أحد لديه أي استعداد للاعتراف بنقاط ضعفه، إن الآخر هو المخطئ دائماً، وهو من يجب أن نحمل عليه أخطاء المنتخب والفريق والسياسة وحتى انهيار نظام المناخ، أما نحن فلا نخطئ أبداً، لذلك لا نتعلم ولا نذهب إلى الأمام.