كنت ضيفة على برنامج «بودكاست مرمس» الذي يذاع عبر إذاعة «نور دبي»، وكان موضوع السفر من بين ما سألتني عنه مضيفتي، لماذا تحبين السفر؟ هكذا سألتني وهي تشير لكتابي في أدب الرحلة «هوامش في المدن والسفر»، كنت أريد أن أجيبها مباشرة: وهل هناك من لا يحب السفر؟ ثم تذكرت أنه ليس من اللائق أن تجيب سائلك بسؤال كأنك تحرجه أو تضعه في زاوية ضيقة، ففي مثل هذه الحوارات الخفيفة لا بد أن يكون اللطف سيد الموقف، فنحن نتحاور حول تجربة حياة إنسانية، لا حول أفكار فلسفية عبثية!
لماذا أحب السفر؟ كررت السؤال على نفسي حين غادرت المحطة وفي طريقي للمنزل، كانت شوارع دبي مزدحمة كعادتها، وكان الآلاف في تلك السيارات التي تملأ الطرقات منهمكون في أحاديث وحوارات لا أعلم كنهها بطبيعة الحال، لكن خطر ببالي لحظتها ماذا لو طرح السؤال على كل هؤلاء، لا شك أننا سنحظى بإجابات لا حصر لها، إجابات ربما لم تخطر ببالنا، فلكل إنسان قصة وحكاية وعلاقة مختلفة مع السفر؛ هناك من يتمنى لو يسافر ولو مرة واحدة، لكن الحياة لم تمنحه هذه الفرصة بعد، وهناك من يسافر إلى كل المدن بحثاً عن مدينته ووجهته التي لم يصل إليها بعد، هناك من يشبه أوديسيوس في الأسطورة اليونانية، الملك الذي جاب البحار والجزر والمدن بحثاً عن مدينته وحبيبته، بحثاً عن إيثاكا!
أنا، مثل كثيرين، أسافر مثل أوديسيوس، بحثاً عن إيثاكا، التي لا تعدك بشيء مطلقاً، لكنها تنتظرك، تاركة لك المجال فسيحاً لتنهل كل ما يخطر على بالك، وكل ما تريد وتشتهي نفسك، حتى إذا وصلت إليها تكون ممتلئاً بالمعرفة والدهشة والحكمة والحكايات والمغامرات، أي تكون ممتلئاً بالعالم، وما عليك سوى أن تجلس وتستمتع بالحياة، لهذا أسافر، كي أعرف وأتعرف وألمس الدهشة، وقلب الحياة، وصوت البهجة، وأسمع صوتي متحرراً من كل قيوده، صوتي وليس رجعه البعيد، صوتي الحقيقي الذي أكتبه كل يوم! لقد حفظت عبارة سمعتها أو ربما قرأتها منذ زمن: على كلٍ منا أن يذهب بعيداً كي يحصل على حكاية يقولها أو ينقلها للآخرين!