حلم ماكينة الخياطة

في طفولتي المبكرة، عندما لم أكن قد التحقت بالمدرسة، كنا كمعظم الصغيرات في حيّنا البسيط نرتدي ما تُلبسه لنا أمهاتنا، ونأكل كما يأكل أهلنا، ملعبنا الأزقة وفضاء شاطئ البحر، وتلك الدمى القماشية التي كانت تصنعها أمهاتنا من بقايا الخِلَق والأقمشة التي تتبقى بعد عملية حياكة طويلة تنجزها تلك النسوة الجميلات بإبرة رفيعة والكثير من طيات الخيوط، كنّ يحكن كل شيء، أثواب الرجال والصغيرات وثيابهن بكافة أشكالهن، يطرزنها ويصنعن ببراعة لافتة أزراراً بالغة الدقة للأثواب، كما يصنعن البراقع وأشكال الزينة التي تُزين الملابس!

ثم دخلت على حياة الناس في تلك السنوات البعيدة ماكينة سحرية، لم يخلُ منها بيت إلا فيما ندر، ولقد اشترى أبي ماكينة خياطة من نوع (سنجر) التي ملأت سمعتها الدنيا في تلك الأيام، وقد برعت والدتي في استخدامها، وكان لي نصيب كبير من نتاجات تلك الماكينة، ربما لم يخطر في بال والدتي أن تحظى بذلك الاختراع العظيم، لكنها حين وجدتها بين يديها تعلمت استخدامها بيسر، ولا أعلم من درّبها على استخدامها، لكن ما أذكره جيداً أن أمي التصقت بماكينتها حتى اليوم، رغم أنها لا تستعملها، إلا أنها موجودة في البيت كذكرى لأيام هانئة تعتبرها من أجمل أيام عمرها.

تذكرت ماكينة أمي وفساتيني الصغيرة التي حاكتها بها وأنا أقرأ بنهم رواية الإيطالية «بيانكا بيتسورنو» (حلم ماكينة الخياطة) التي تروي حكاية الخيّاطة المتواضعة في القرن التاسع عشر التي استضافتها منازل الأسر النبيلة لخياطة الفساتين، بصحبة جدتها الخيّاطة البارعة التي أورثتها المهنة، وحين توفيت الجدة، ساقتها الأقدار لمنزل سيدة من أصول أمريكية أهدتها ماكينة خياطة يدوية، جعلتها مطلوبة في الكثير من البيوت نظراً لسرعة إنجاز العمل، ومن هذا الباب تتعرف الخيّاطة الشابة على الكثير من الأسرار وتقع في الكثير من المآزق.

وتكشف لنا الكاتبة عن طبيعة المجتمع الإيطالي المحافظ في تلك الأيام فيما يخص الثياب وقيم الأناقة والحشمة وشرف الفتاة، في مقابل تحرر الشخصية الأمريكية حيال القيم نفسها. رواية تستحق القراءة.