كيف يقرأ العقل؟

«أعتقد أن القراءة في جوهرها الإبداعي معجزة اتصال ابتكارية، تمارسها في خلوة مع ذاتك. فنشعر بأن حكمتنا تبدأ من حيث ينتهي دور المؤلف، وذلك لأننا كائنات لا بد لها أن تخلق الحقيقة بنفسها، لا أن تستقيها من مصدر آخر، إذ تبدو نقطة النهاية لحكمتهم، هي نقطة البداية لحكمتنا الخاصة».. يقول «مارسيل بروست».

«ماريان وولف» عالمة أعصاب وتربوية أمريكية، تصنف كواحدة من أبرز الباحثين في العالم في دراسة كيفية تعلم الدماغ القراءة، وكيف تؤثر البرامج والتطبيقات والوسائل الرقمية في قدرتنا على القراءة العميقة والتفكير.

وبينما نعتقد نحن أن القراءة ليست سوى شغف معرفي وإمكانيات مادية ومستوى تعليمي معين، تقدم لنا (ماريان وولف) أدلة ودراسات على أن المسألة أعقد من ذلك بكثير!

وقد أسست مركزاً متخصصاً في أبحاث عسر القراءة، وألفت كتابين شهيرين في هذا المجال، في الكتاب الأول (بروست والحبار) تشرح كيف تطور «دماغ القراءة» لدى الإنسان، ولماذا القراءة ليست مَلَكة أو مقدرة فطرية كما نظن، بل مهارة يبنيها الدماغ عبر شبكات عصبية معقدة.

في الكتاب الثاني (أيها القارئ عد إلى بيتك) تناقش أثر الهواتف الذكية والتطبيقات الحديثة في قدرتنا كبشر على القراءة، والتحليل، والتأمل، والتعاطف. وتحذر من أن الاعتماد المفرط على الشاشات قد يضعف ما تسميه «القراءة العميقة»، دون أن تدعو إلى رفض التكنولوجيا، بل إلى تحقيق توازن بين القراءة الرقمية والورقية.

بهذه الدراسات نعرف أننا جميعاً قادرون على القراءة طالما أن تطور العقل البشري وصل إلى ما وصل إليه، وأن تفوق البعض في هذا المجال له علاقة بأنظمة التربية والتعليم، التي تستطيع أن تستفيد من هذه التجارب والحقائق لتزرع توجه القراءة في عقول ونفوس الطلاب والناشئة، بتوظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي والوسائل والتطبيقات التقنية بدل جعلها هدفاً ووسيلة للانحراف وتضييع الوقت وتنمية النزعات الفردية والعنف!

تؤكد أبحاث القراءة هذه على أن القراءة العميقة ليست مجرد هواية لقتل الوقت، ولكنها وسيلة لتنمية التفكير النقدي، والقدرة على الاستنتاج، والتعاطف مع الآخرين، بينما القراءة المتقطعة والسريعة التي تشجعها البيئات الرقمية لا تفكير فيها ولا تأمل، بينما البشر والأطفال تحديداً يحتاجون إلى بناء مهارات القراءة العميقة أولاً!