لكثرة ما أجد من تقييمات طفولية وجائرة حول رواية بعظمة «مائة عام من العزلة»، أجد أنه لا بد من توضيح أمور ضرورية بخصوص قراءة هذه الرواية، فصحيح أنها تحفة ماركيز الأدبية الكبرى التي استحق بها جائزة نوبل في الأدب، إلا أن الرواية لا تخلو من صعوبة في الإمساك بخيوطها من حيث تسلسل الأحداث وتداخل وتشابه الأسماء وعلاقات الشخوص ببعضها، لكنها لا بد أن تقرأ في مرحلة عمرية معينة، فهي ليست لطلاب الثانوية، حتى وإن كان قارئاً مواظباً على القراءة ومحباً للأدب.

هناك بعض النصوص تحتاج استعداداً ذهنياً وحصيلة معرفية ومستوى وعي معيناً، وهذا لا يعيب الرواية ولا يقلل من شأن القارئ، لكن بعض الأعمال العظيمة أو الصعبة أو المعقدة تحتاج مستوى معيناً من الإدراك لفهم النص وما وراءه ورموزه وإشاراته، حتى لا يظلم العمل وينظر له بسطحية وبأنه صعب وبه أسماء كثيرة و.. إلخ، فهذا حديث لا يتسق مع مستوى وعالمية الرواية، كما أنه تسطيح لقيمتها الأدبية الرفيعة، تتساوى في ذلك مع «الغريب» لكامو، «الإنمساخ» لكافكا، «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، «العمى» و«كل الأسماء» لساراماجو، و«أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، «اسم الوردة» إمبرتو إيكو، وغيرها..

عن نفسي قرأت الرواية ثلاث مرات، لماذا؟ لأكثر من سبب:

قرأتها في المرة الأولى لأن القارئ يجد نفسه في تحدٍ لا بد أن يخوضه مع مثل هذه الأعمال الشهيرة، فيكسر بذلك حاجز الرهبة ثم يتباهى بأنه قرأ «مائة عام من العزلة» لماركيز، وهنا فلا ضرر ولا شيء يمس قيمة القراءة والروائي، حين يتباهى بهما القارئ، لأن واحداً من أسباب القراءة الشعور بالمتعة وثانيهما التباهي بها!

أنا حين قرأت الرواية نفسها للمرة الثانية كان ذلك كي أستدرك كل ما فاتني ولم أفهمه في المرة الأولى، وبالفعل فقد وجدت نفسي وكأنني أقرؤها لأول مرة! وحين أسست مع مجموعة من الصديقات نادياً للقراءة، اقترحتها على جدول قراءات النادي، فكانت تلك المرة الثالثة، ونظراً لضيق الوقت فقد استمعت إليها عبر تطبيق صوتي، وكنت حينها قد أدركت تماماً قيمة ومكانة «مائة عام من العزلة» عندها كنت أستمع وأستمتع بالفعل!