تقول الأمهات، وقبلهن قالت الجدات العظيمات: إننا نعرف بداية الصيف بحضور الرطب، فالرطب هو أول البشارة، وهو الإعلان الرسمي لبدء موسم «القيظ» والسفر، والانتقال من منازل الشتاء الطينية إلى (العرش) التي كانت تمثل بيوت الصيف في مناطق (المقيظ)، وهي المناطق والواحات والقرى التي شكلت في القديم مناطق الاصطياف لأهالي الإمارات (ليوا والعين ومناطق روس الجبال..).
كانت جدتي إذا حضرت بشائر الرطب في أول الموسم، تأخذ من الصحن رطبة، وقبل أن تأكلها، تضعها على عينها ثم تقبّلها، وهي تلهج بالحمد والشكر لله أن منحها عمراً لتعيش صيفاً آخر أو سنة أخرى، وحين اتسع بيتنا زرعت جدتي بضعة أنواع من النخل الجيد في الفناء، وفي أول موسم استواء الثمر، تأمر بأن (تخرف النخلة) أي يُجنى محصولها ويوزع على الجيران أياً كانت كميته، فالعبرة ليست بالكمية، ولكن بتشارك بهجة البشارة مع الأهل والجيران.
كانت جدتي تفرح بقدوم موسم الرطب كطفل، وتظل تتحدث عنه وعن أنواعه الجيدة وأسمائه، فالنخلة عندنا شجرة مباركة كشجرة الزيتون في مناطق أخرى، والرطب نور المائدة كما تقول أمي التي تكرر اليوم الكلام نفسه الذي كانت تقوله جدتي رحمة الله عليها، بالقناعة والفرح والإيمان نفسه، ولهذا فكل رطب يرسل للبيت يتم توزيعه في الحال وتقاسمه مع الأهل والجيران، إنه طقس ثابت يمثل محافظة واستعادة لإرث جدتي وإرث النخلة: تشارك البهجة والخير.
إن العلاقة بيننا في الإمارات (وكل أهل الخليج) وبين النخلة ليست مجرد علاقة زراعية أو اقتصادية، بل هي علاقة حضارية ووجدانية تمتد آلاف السنين. فمن الصعب أن نجد عنصراً طبيعياً ترك أثراً في حياة الإنسان الخليجي مثلما فعلت النخلة، فقد كانت شجرة الغذاء، والمأوى، والسكن والرزق، والرمز الثقافي الأول.
قديماً وفي تلك البيئة القاسية، كانت النخلة تعني الحياة حرفياً، وكل جزء منها يمثل امتداداً حقيقياً لحياة الناس، فإذا أردنا أن نحصي فوائدها لأصابنا العجب، والكثير من الإعجاب والامتنان، ولعلمنا سر احتفاء أهلنا بالنخيل ومواسم الرطب. فتحية لكل الذين يحتفون بالنخلة هذا الرمز العظيم، تحية لمهرجان دبي للرطب والقائمين عليه.