بالنسبة لي أرى في اهتمام الشباب والمراهقين الصغار بأفلام السينما من نوع الأوديسة وغيرها من الأفلام التي تتناول الأساطير والشخصيات التاريخية، أراه مدخلاً جيداً وباباً من أبواب المعرفة والثقافة، لا بد من استغلاله والتشجيع عليه، والسبب أن هؤلاء الشباب جيل مواقع التواصل والألعاب الإلكترونية والسرعة وثقافة الكبسولات المختصرة، لن يتعبوا أنفسهم في قراءة الإلياذة والأوديسة، أو حكاية حصار طروادة أو قصص التاريخ بشكل عام، فهذه نصوص وملاحم وقصص طويلة جداً تنتمي لقراء وأجيال وعالم مختلف لغوياً وثقافياً وحتى ذوقياً!
لكن الفيلم والسينما بشكل عام تحول الحكايات والأساطير والشخصيات إلى بشر من لحم ودم، عبر ممثلين تعشقهم الجماهير وتتهافت عليهم، كما يمنح المعارك والأبطال والبحار صورة وحركة وموسيقى، ومن خلال كل المشهد الكثيف على الشاشة تسرب لنا السينما الكثير من الأفكار والقيم والأسئلة، التي تتحول لاحقاً إلى نقاشات محتدمة خارج قاعات العروض، كما تستغرق أياماً ليصلوا إلى إجابات بخصوصها!
فيما يتعلق بقصة الأوديسة نفسها، أو أوديسيوس بطل الملحمة، فهذه ليست مجرد قصة يونانية للتسلية، بل هي قصة إنسان يحاول العودة إلى وطنه بعد حرب طويلة، ويواجه الوحوش والإغراءات والخسائر، وهذه ثيمة إنسانية تتجاوز الزمان والمكان، ولذلك من المهم أن يتفتح وعي الشباب على هكذا أفكار واهتمامات، تخرجهم قليلاً من عالم السوشيال ميديا ومظاهره الخادعة، لذلك أرى أن الفيلم، رغم تجاوزاته، إلا أنه يستحق اهتمام هؤلاء الشباب.
إن الأجيال السابقة التي كانت تهتم وتتابع السينما كانت تقارن الفيلم بالنص الأصلي له «الرواية والملحمة أو السيرة» لأنها قرأت وتثقفت وعرفت. أما كثير من الشباب اليوم فالفيلم هو المرجع الأول، وربما الوحيد، وهذا له جانب سلبي، لكن له جانبه الإيجابي أيضاً، فهم يلتصقون بالفيلم ويشاهدونه دون محاكمات أو مماحكات وجدل، ولا يرون في الأمر أي خيانة للنص الحقيقي لأنهم لا يعرفونه أصلاً، وهنا فالسؤال المنطقي: ماذا بعد أن يعرفوا؟ أو ماذا بالنسبة للشباب الذين قرأوا النص الأصلي؟