مرة بعد مرة، وإنتاجاً تلو إنتاج، وعملاً هائلاً يتلو الآخر وتتلقفه الجماهير باهتمام ولهفة كبيرين، ووسط ذلك تثبت السينما سحرها وتكرس جاذبيتها وتأثيرها على قلوب وعقول الجماهير على اختلاف ثقافاتهم وأعمارهم وانتماءاتهم، وفي هذه الأيام وبينما جماهير السينما تندفع صوب قاعات العرض في كل مكان لمشاهدة فيلم «الأوديسة» للمخرج «كريستوفر نولان» تعيد السينما تثبيت فكرة أنها الفن السابع العظيم الذي اختتمت به البشرية تطورها الفني والثقافي وأن لا شيء يمكن أن ينافس نفوذها.
إن آلاف الفتيات حول العالم ممن لم يفتحن يوماً كتاباً بخلاف كتب المدرسة، ومراهقين لا يعرفون من هو هوميروس وما هي وظيفته في الحياة، أصبحوا يرددون اسم «الأوديسة» وكأنها آخر إبداعات الألعاب الإلكترونية، وحده سحر السينما الذي أصاب هؤلاء بحمى قراءة أساطير اليونان (الإلياذة والأوديسة) خاصة وأن الفيلم يحكي أسطورة الملك العائد من حرب طروادة وما واجهه من مصاعب ووحوش ومخاطر!
ورغم كل التجاوزات الفنية على حساب ما ورد في ملحمة الأوديسة، وما هو معروف منطقياً (كأن يكون طبيعياً ومنطقياً أن الأميرة اليونانية الفاتنة هيلين التي حدثت معركة طروادة بسببها هي بالضرورة امرأة بيضاء يونانية وليست سوداء أفريقية مثلاً، ليس ذلك من باب العنصرية ولا التمييز ولكنه الواقع، كما أنه من غير المنطق أن يكون في جيش اليونان مقاتلون صينيون مثلاً... إلخ) إلا أن المدافعين عن الفيلم وعن نولان يقولون:
هذا فيلم وليس وثيقة تاريخية، وإن الفيلم ليس مجرد مشاهد وأبطال، ولكنه رؤية فنية قبل ذلك (والحقيقة فإن في هذا الدفاع كثيراً من مجانبة الحقيقة)!
وبالرغم من رؤية المخرج ومغازلته لقوانين هوليوود وصناع القرار في الأوسكار، إلا أن ذلك لا ينفي عظمة الفيلم، وما يحظى به الفيلم من إقبال يفوق التصور، ما يلفت الانتباه في الأمر أن النجاح الجماهيري للفيلم لا يعني أن الجمهور أصبح أكثر اهتماماً بالأساطير أو بالدقة التاريخية أو الأمانة الأدبية، بل يعني أن الفيلم نجح في شيء آخر تماماً، وهو إعادة تقديم الأسطورة بلغة العصر، والجمهور رغم اعتراضاته، إلا أنه لم يتوقف عن الاندفاع لمشاهدته!