إنسان المدينة الكبيرة

يميل الناس إلى التفسيرات الأخلاقية والدينية عند تقييم ومحاكمة أفكار وقناعات الآخرين، وهذا الأمر عدا عن كونه مرفوضاً تماماً، حيث لا يصح لإنسان محاكمة قناعات شخص آخر ما لم يتسبب في إيذائه، أو الإضرار بالمجتمع، أو حتى إلحاق الضرر بنفسه، وما لم تكن هذه القناعات تنعكس بشكل سلبي على المجتمع عند انتشارها وإيمان الناس بها، لكن إضافة لهذا، فإن هناك مدارس ونظريات وأجندات أخرى ممكن أن تفسر السلوكيات والأفكار والقناعات الإنسانية التي تحمل طابع الانتشار أو الشيوع، كأفكار الكتّاب والفلاسفة والمفكرين، وما تحفل به الكتب والروايات من مبادئ وتوجهات.

المهم أننا حين نبحث عن التفسيرات والتحليلات، فإننا لا نفعل ذلك للمحاكمة والهجوم والتنديد، ولكن للفهم والنقد والمقارنات والدراسة التي يمكن أن نبني عليها نظريات أخرى أو توجيهات تربوية وأدبية تفيدنا في نهاية الأمر، وهنا، فإن الروائي الإسباني خوان خوسيه مياس يعد أحد النماذج البارزة التي تمنح الكاتب والناقد فرصة ومتسعاً للبحث والدراسة والتحليل لأفكاره، التي يبني عليها أعماله الأدبية الرائعة التي تحاكي حياة الإنسان المعاصر وأزمات الاغتراب والوحدة والحزن والاكتئاب الكائنة في عمق حياته.

في المجتمعات الغربية، التي تعيش مرحلة ما بعد حداثة المدينة، وما بعد المجتمع الصناعي والجماهيري والتقني، غالباً ما تتولد إشكاليات وأزمات قد لا نعايشها في المجتمعات المحافظة، وقد لا نلحظها رغم وجودها، ولكنه الوجود البسيط الذي لا يكاد يرى خلاف تلك المجتمعات التي يعاني فيها الإنسان الكثير من الوحدة والحزن والصمت، حتى إن أحد الكتّاب قال إن الإنسان الغربي، أو إنسان المدينة الكبيرة مسكين وحزين وتائه، لكن عليه أن يتماسك، وأن يظل واقفاً، لأنه لو سقط سيسقط وحيداً ولن يسمع لسقوطه أي دويّ.

يخترع هذا الإنسان حياة موازية لا ليغير واقعه، وليمنح نفسه فرصة أخيرة للقاء تلك النسخة التي لم تتحقق منه. كأنه يقول: «إذا لم أعشها في الواقع، فسأتركها تعيش في الخيال»؛ لأن كل إنسان يحمل داخله مقبرة صغيرة، لا تضم الأشخاص الذين ماتوا، بل تضم الحيوات التي كان يمكن أن يعيشها ولم يعشها.