لزمن طويل كنا نقرأ العبارات نفسها، التاريخ لا يتكرر، والإنسان لم يعش سوى نسخة واحدة منه فقط، والحياة لا تعيد نفسها، فكل زمن وكل حقبة لها متغيراتها وتحولاتها وبشرها، لكن الإنسان يريد أن يروّض كل شيء؛ لذلك يطلق مثل هذه الأحكام ليشعر بألفة الزمن، وحتى لا يخاف من تقلبات الحياة، وبينما تطالعنا مثل هذه الأحكام القطعية كل يوم، عند كل مفترق وخبر وحادث وكارثة تمر بالعالم، نجد أن الأحداث والخلاصات والصور والمعاني تتكرر بشكل مغاير، بل ويناقض تلك العبارات كلية، فالتاريخ يعيد نفسه، والحياة تكرر تفاصيلها وسيناريوهاتها بشكل لا ندركه تماماً، كفيلم غامض لا تحل ألغازه إلا في آخر العرض!
اليوم، حين نتأمل أنفسنا، تصرفاتنا، سلوكياتنا، الطريقة التي أصبحنا نتحدث بها، قناعاتنا التي تغير معظمها عما كانت عندما كنا مراهقين وشباباً صغاراً قبل أن تعركنا الحياة، وقبل أن يمر بنا كل هؤلاء البشر الذين ملؤوها وغيّرونا وغيّروها، نوقن أكثر من أي وقت مضى أننا أصبحنا كنساء نسخاً أخرى من أمهاتنا، وحتى الرجال، فإن معظمهم يتحركون بمنطق وطريقة آبائهم مع تغييرات طفيفة تقتضيها متغيرات العصر الظاهرية!
ألا تكرر الحياة نفسها في البشر؟ وما الحياة سوى هؤلاء البشر؟ سوى حياتنا وحياتكم وحياتهم؟ ما الذي يختلف، وما الذي يتشابه في كل هذا؟ تتغير قشور الحياة، مظاهرها، تتماشى وتتفق مع مقتضيات الزمن الراهن لا أكثر، أما روح المعنى فإنه يمتد بجذوره العميقة المتمثلة في القناعات والتصرفات لحياة جداتنا وأمهاتنا.
كل ما كنا نرفضه ونسخر منه ونعارضه، أصبحنا نكرره بشكل يدعونا أحياناً للاستغراب من أنفسنا، فكيف وصلنا لأن نتحدث بطريقة وبكلام أمهاتنا حين نوبخ أبناءنا مثلاً، أو نعترض على أسلوب حياتهم، كيف نكرر العبارات نفسها؟ هل لهذا معنى آخر سوى أن الحياة تعيد إنتاج نسخة منها باستمرار مع بعض التعديلات؟