ألتفت إلى الصغار الذين يشقون طرقاتهم في الحياة متسلحين بالكثير من الثقة في أنفسهم، التي استقوها من تربيتهم وما زرعته أسرهم فيهم، وما حققوه في مسيرتهم الدراسية من نجاحات وعلاقات وصداقات، ومن ثقة الوالدين والإخوة، وذلك الشحن الذي يحصلون عليه من محيطهم بما ينمي فيهم هذه الثقة، ويرفع معنوياتهم، لكنني غالباً ما ينتابني الخوف من تلك الصدمات المختبئة هنا وهناك، خلف المواقف والوجوه والأقنعة واندفاعات الشباب!
والحقيقة أنه لولا تلك الصدمات التي واجهناها نحن أيضاً، ولولا تلك الصفعات والخسائر والهزائم الصغيرة ما كنا أصبحنا على ما نحن عليه، وأن الثقة تحديداً لا يمكن تعليمها لأحد، إنها نتاج المواقف والصدمات والعلاقات.
إن الثقة تبدأ بالنفس لتنتهي بالآخرين، وهي ليست أن يظن الإنسان أنه لا يخطئ، بل أن يعرف أنه مهما أخطأ فهو قادر على أن يتعلم وينهض من جديد. إنها ذلك الهدوء العميق الذي يجعلك لا تستمد قيمتك من تصفيق الآخرين، ولا تسمح لرفضهم أن ينتقص من إنسانيتك. من يثق بنفسه لا يعيش في معركة دائمة لإثبات ذاته، لأنه وجدها بالفعل.
ومن هذه الطمأنينة تولد الثقة بالآخرين، فالذي يخاف نفسه يخاف الناس أيضاً؛ يشك في نواياهم، ويرى في نجاحهم تهديداً، وفي اختلافهم خطراً. أما من تصالح مع ذاته، فإنه يمنح الآخرين مساحة ليكونوا كما هم، ويؤمن أن العالم ليس مؤامرة ضده، بل مكان يمكن أن تُبنى فيه العلاقات على الاحترام والاحتمال والأمل.
لقد أعجبتني تلك المرأة التي تظهر باستمرار على تطبيق التيك توك لتقدم لمتابعيها خلاصة خبراتها في حياتها في بلاد الهجرة، أعجبتني حين قالت لإحدى متابعاتها: (أن أتفق معك أو لا، أو لا يعجبني محتواك، أو أن توجهي لي نقداً دائماً، برغم كل ذلك، إذا قابلتك في أي مكان فإنني سأعاملك بمنتهى الأدب، لأن هذه هي أخلاقي التي تربيت ودربت نفسي عليها، وإن تتجاهليني فهذه أخلاقك، ولن تستطيعي أن تغضبيني بتصرفك، ولن تقللي من شأني، كما لن تهزي ثقتي بنفسي!).
القضية ليست في أن نثق دائماً أو نشك دائماً، بل في أن نعرف متى نفتح الباب، ومتى نُبقي أيدينا على المقبض. فالثقة لا تعني إلغاء الحذر، كما أن الحذر لا يعني إلغاء المحبة. إنها فن الموازنة بين قلبٍ يؤمن بالخير، وعقلٍ لا يتخلى عن البصيرة.