الحقيقة والوهم والشهرة

عندما يصف من كانوا مشاهير أو سعوا للشهرة فحصلوا على منتهاها من المطربين والممثلين والكتاب والسياسيين وغيرهم الشهرة بأنها هي التي حرمتهم أن يعيشوا الحياة الطبيعية التي يتمتع بها أبسط البسطاء، فهم لا ينكرون قيمتها وفوائدها وما قدمته لهم من مباهج وأحلام لم يكونوا ليحصلوا عليها لولا الشهرة، لكنهم كغيرهم من البشر يريدون أن يحصلوا على كل شيء دون أن يخسروا شيئاً، وإن كان لا بد من بعض الخسائر فلا بأس، لكن تلك الخسائر التي لا تقايضهم على الأساسيات، أو لا تحرمهم من أكثر الأمور أهمية.

إن معظم هؤلاء المشاهير، وهم يصفون الشهرة بالوهم الكبير الذي سرق منهم سنين العمر الأجمل، يكونون غالباً قد امتصوا رحيق الشهرة حتى آخر قطرة، ثم نسوا تلك المتع والملذات والأموال التي تدفقت عليهم كما لم يتوقعوا يوماً، عندها يرون (العمر أو الشباب) أو القيمة التي أعطوها للشهرة في شبابهم أكبر بكثير من حقيقة ما قدمته لهم الشهرة.

كانوا يظنون أنها ستمنحهم الاكتمال أو السعادة الدائمة أو الإحساس بالمعنى، دون أن تسحب شيئاً من أرصدتهم الأخرى، أو دون أن تسجل عليهم ضرائب ستخصم من مكان آخر، وعندما يقفون وجهاً لوجه أمام لحظة المحاسبة فإنهم يكتشفون أن الإنسان يبقى وحيداً في نهاية الأمر أو العمر أمام أسئلته الكبرى: الزمن، الشيخوخة، الوحدة، الفقد، والموت.

كما أن هناك ملمحاً آخر مهماً في الشهرة، وهو أنها تجعلك معروفاً ومحط اهتمام الجماهير، التي تعرف اسمك وكافة معلوماتك الشخصية، حتى مقاسات ثيابك ولون عينيك.

لكن هذه الجماهير العاشقة المتعلقة بك لا تعرف من أنت فعلاً، لا تعرف حقيقتك كإنسان، نقاط ضعفك، وحزنك واحتياجاتك، لحظات سعادتك أو بؤسك، وكلما تقدم بك العمر تزايدت الفروقات بين الإنسان المشهور المعروف وبين الشخص نفسه خارج إطار الشهرة.

لذلك لم يكن غريباً أن يذكر الفنان كاظم الساهر الفنانة فيروز كمثال حي على سجن الشهرة الذي سُجنت فيه فيروز كل هذه السنين دون أن تعيش حياة البساطة التي يتمتع بها أي إنسان ليس له نصيب من شهرة ومكانة فيروز، فهل سنستغرب إذا سمع أحدنا السيدة فيروز وهي تقول: لعنة الله على الشهرة.

الشهرة حقيقة ولم تكن وهماً يوماً، لكن الهالة التي أحاطت بالفنان هي التي كانت وهماً، لأنها لم ولن تبقى معه حتى آخر المطاف، التصفيق كان حقيقياً، أما الاعتقاد بأن التصفيق هو جوهر الحياة الذي سيبقى للأبد فكان وهماً.