نعم للندن ذاكرة تخصها، وذاكرة مشتركة بينها وبين زوارها، وتحديداً المحبين العشاق منهم، فحين يتردد شخص على مكان أو مدينة بعينها، لا يكون لذلك التردد معنى سوى الحب أو الضرورة.. والحب ضرورة في نهاية الأمر.
يسافر أحدنا إلى بلاد كثيرة في حياته، يحمله الفضول إليها أو هاجس الاكتشاف والمعرفة. وفي تنقلنا بين الأمكنة والقرى والعواصم نبدأ بالتدريج في تكوين علاقة من نوع ما مع المدن وأمكنتها الكثيرة، ثم تبدأ مدينة أو مكان بعينه في التغلغل فينا، ثم يستقر في وعينا أن هذا المكان هو ما كنا نبحث عنه أثناء كل ذلك التجوال في الجغرافيا. نقول: هذا هو المكان أو هذه هي المدينة التي فيها كل ما نبحث عنه، وما يبحث عنه الإنسان يختلف قطعاً من شخص لآخر.
سألتني صديقة عن سر تعلقي بالمدن التاريخية، أو بأمكنة محددة من المدينة نفسها، حيث يستدعي هذا التعلق العودة مراراً للمكان نفسه؟ والحقيقة أن العلاقة بيني وبين الأمكنة أو المدينة لم تكن يوماً علاقة مكانية محدودة، بل علاقة عاطفية ووجدانية ووجودية أحياناً. فالمدينة التي أحبها تتحول من مجرد شوارع ومبانٍ وساحات وأسواق ومحطات قطارات ومقاهٍ ومطاعم، إلى جزء من ذاكرتي الشخصية، حتى كأنها تدخل في تكوين هويتي واختياراتي ونظرتي للحياة نفسها.
اليوم وأنا أقود سيارتي في طرقات المدينة لأقضي فيها بضعة أيام، تخرج تفاصيل من ذاكرتي وبشكل مفاجئ تجعلني أبتسم أحياناً وأغوص في العمر البعيد الذي شهد بدايات معرفتي بهذه المدينة، فكأنني أستعيد بدايات لقاء بصديق.
إن الأمكنة في المدن التي أتردد عليها محفوظة كلها في ذاكرتي وفي قلبي كأنما تم تحنيطها على الشكل الأول الذي شاهدتها عليه، وهذا يخلق نوعاً من الحميمية والكثير من التوقعات، فغالباً ما أتوقع أنني إذا ما فتحت باب ذلك الفندق فسيواجهني ذلك العجوز اللطيف الذي أعرفه جيداً، وإذا ما دخلت تلك الاستراحة على الطريق السريع فسأجد ركناً لطالما وقفت أمامه يعرض الهدايا التذكارية والمجلات وساندويتشات الخبز الألماني المحشوة بالجبن والطماطم، وأتوقع، كما في كل مرة، أن البائع سيرفض تسخينها وسيقول لي نحن نأكلها باردة، وسأرد عليه: لكنني لست ألمانية.. وهو ما حصل تماماً!