التجذر في الهوية

في ظني وظن الكثيرين، أن حزمة العادات والتقاليد والموروث العام للمجتمع الإماراتي، ليست مجرد هوية عادية تمنحه خصوصية وينتهي الأمر، وأن كل ما علينا هو الاحتفال والاحتفاء بهذه الهوية في المناسبات الوطنية والدينية والاجتماعية المختلفة.

كالزواج والأعياد والمناسبات الدينية كرمضان مثلاً وليلة النصف من شعبان وغير ذلك، الهوية ليست طبق هريس ولقيمات نقدمه للأجانب في المعارض الدولية، ولا نقوش حناء نضعها على أيدي زوار أجنحتنا في المنصات والمشاركات الخارجية.. الهوية هي نحن وكيف نمثل هذه التفاصيل في حياتنا وكيف تعبر عنا ونعبر عنها بانتماء حقيقي وافتخار صادق!

هذا الانتماء لا أحد يعلمنا إياه من الخارج، لكننا نتلقنه ونعتاده ونتربى عليه ضمن نمط متسلسل من التربية والتلقي والعلاقات الاجتماعية والعائلية، وهو ما يخلق من أبناء أي مجتمع أشخاصاً متجذرين في خصوصياتهم الثقافية أينما كانوا، سواء في المجتمع أم خارجه، إن هذا التجذر والتمسك بالهوية ليس ابتعاداً عن روح العصر ولا نكوصاً للخلف ولا عجزاً عن مسايرة الحداثة، لكنه دليل على رغبة الإنسان في الاستمرار بقوة وخصوصية تحميه من التلاشي والذوبان، مع إمكانية التقاطع والتفاعل مع أمم الأرض وثقافات العالم.

وإن تبدل الأجيال ومرور الزمن لا يمحوان العادات والتقاليد، والذين يقولون هذا الكلام إنما ينطلقون من جهل وغفلة، وليس من أي شيء آخر، ولو أنهم اطلعوا على مجتمعات البدو في كل مكان، ودول عربية وآسيوية كثيرة ومجتمعات شرق آسيا البدائية، لوجدوا هذه المجتمعات لا تزال حتى اليوم تمارس عادات وطقوساً مر عليها آلاف السنين دون تغيير أو تبديل!

كما أن منظمة اليونسكو مثلاً تعلن باستمرار اعتبار الكثير من المدن والأمكنة التاريخية إرثاً عالمياً تحت وصاية عالمية لا يجوز المساس بها، لأنها تراث إنساني لا بد من المحافظة عليه، والأمر ينطبق على الموسيقى والأدب والثقافة الشفاهية والملابس والصناعات التقليدية...

هذا كله لا يتعلق بالأشياء ذاتها (الأطعمة والثياب والمباني و... فقط)، بل بعلاقتنا، أفراداً ومجتمعات وأمماً، بالزمن والهوية، وبرغبتنا في البقاء والاستمرار عبر التمسك بكل ما يشدنا لجذورنا.