عندما كتبت صديقتي حول ظاهرة وقوع الناس في حالة الاعتياد فهمت مباشرة أنها تتحدث عن نوع خطير من الملل يسقط فيه كثيرون في مجتمعات الرفاهية والحداثة وسطوة وسائل التقنية، تلك التي تجرد الإنسان من كل رغبات وملكات التواصل زارعة في أعماقه وهم الاستغناء عن الآخرين والاكتفاء بذاته، وهو وهم قاتل لا يقل خطورة عن الثقب الأسود الآخر المعروف بالملل!

الذين قرأوا رواية (الغريب) لألبير كامو، قد يستحضرون شخصية بطلها (مورسو) وسوف يكون مفيداً هذا الاستحضار، لأن هذه الشخصية تمثل التجسيد الحقيقي لهذا النوع من الملل، الذي يعد ظاهرة أعمق بكثير من مجرد «عدم وجود شيء نفعله».

ففي علم النفس يُعرَّف الملل غالباً بأنه حالة يشعر فيها الإنسان بأن وقته يمر ببطء، وأن ما يحيط به لا يثير اهتمامه أو لا يمنحه معنى كافياً للانخراط فيه. ولذلك فالملل ليس نقصاً في منسوب الإثارة دائماً، بل قد يكون نقصاً في المعنى أو الانتماء أو الشعور بوجود هدف!

المفارقة أن المجتمعات الحديثة، رغم ما توفره من وسائل ترفيه واتصال وتقنية، لا تبدو محصنة ضد الملل، بل تشير أبحاث كثيرة إلى أن الناس ما زالوا يقعون فيه بصورة واسعة. والسبب أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى الإثارة، بل يحتاج كذلك إلى الإحساس بأن ما يفعله مهم أو مرتبط بقيمه وأهدافه، وأنه هو نفسه مرتبط ومنتمٍ لأشياء كثيرة تشكل له أهمية وسبباً للحياة والسعادة والبقاء.

لكننا كأفراد وحيدين بشكل أو بآخر وفي مجتمعات تموج بكثرة الخيارات، نجد أنفسنا نقع سريعاً في حالة التعود السريع على كل ما يحيط بنا لأن الدماغ يتكيف بسرعة مع المتع الجديدة، ويميل إلى تفكيك كل شيء بحثاً عن المعنى وهذا يفقد الأشياء تماسكها حتى الظاهري على الأقل.

اليوم يحسد الناس البسطاء كالمزارع والعامل وغيرهم ممن لا يعقدون الأمور، والذين يمكنهم أن يسعدوا ويرضوا بأبسط المتع، والذين يملكون سبباً يستيقظون من أجله كل صباح دون الدخول في جدالات بلا معنى، حيث يشكل المعنى مضاداً حقيقياً للملل.