كثيرة هي المشاعر التي تنتاب الإنسان خلال يومه أو خلال الوقت الذي يضيع رفقة علاقات إنسانية مختلفة المستويات من حيث قربها أو بعدها منه، ومن حيث اقتراب شخصيات أصحابها أو ابتعادهم عن شخصيته، ولذلك فإن شكل العلاقات، ودرجة حميميتها، يتباينان ويعتمدان على عوامل كثيرة لها علاقة بنوعية الشخصيات داخل بناء العلاقة، ومستوى التوقعات التي يضعها كل شخص وهو يرتبط بآخر: كزميل أو صديق أو شريك حياة أو شريك علاقات تجارية مثلاً.
«المصالح واحدة» من أهم أسباب التقارب بين الناس، والمصريون لهم في كل تفصيلة مثل، وفي هذا الإطار يقولون: «المصالح تتصالح»، أي أن المصالح غالباً ما تدفع أصحابها لسلوك تصرفات مهادنة أو لطيفة لبلوغ الغاية حتى تسير عجلة المصلحة، فإذا انتهينا سار كل منا في طريق، أو كما قالت الست: «وإذا الدنيا كما نعرفها، وإذا الأحباب كل في طريق».
وبما أننا نتحدث عن العلاقات، فالملل واحد من محددات السلوك في بعض هذه العلاقات أو في معظمها، فالملل عند بعض الأشخاص ليس مجرد رد فعل عابر أو مؤقت أو انطباعي ويمر دون أن يترك أثراً، يحدد الملل أحياناً عالماً من العلاقات والمواقف إذا تراكم في النفس، فحين يمل البعض من تجاهل أحدهم أو تغيره أو تبدل أحواله قد يعاتبه مرة، وقد يغضب مرة أخرى، وقد يحتمل في المرة الثالثة، لكنه في المرة الرابعة يقلب الطاولة في وجه العلاقة، وفي وجه الدنيا، ويمضي إلى أقرب طريق خروج.
فعندما يصل الأمر ببعض الناس إلى حد التشبّع النفسي، فإنهم قد ينفجرون أو يمنحون العلاقات فرصاً متكررة: يعاتبون، يغضبون، يتراجعون، يبررون، يحاولون الفهم، لكن عداد الصبر داخلهم يكون قد راكم الكثير من الإحباط. وعندما يصل هذا الإحباط إلى نقطة معينة، لا تحدث مشاجرة كبرى دائماً، بل يحدث شيء أبرد وأعمق، هو الانطفاء.
يقلب كثيرون صفحة العلاقة بصعوبة، لكن البعض يقلبها دون رجعة ليريح باله وقلبه ومشاعره من التشتت والتوتر والشعور البائس بالمظلومية والشكوى واستجداء التعاطف، فهذا النوع المكابر من الناس أو صاحب الكبرياء لا يميل لهذا السلوك الاستجدائي، كما لا يطيق الابتزاز العاطفي من الطرف الآخر في العلاقة.