يقول أمين معلوف الكاتب والروائي الفرنسي من أصل لبناني، في روايته الجميلة (صخرة طانيوس) هناك شخصيات من الصعب أن لا نعثر عليها في المدن والقرى العربية قديماً: إحداها شخصية المجنون! والحقيقة أن هذا النوع من الشخصيات يعيد رسم حدود العلاقات ويضبط توازن الحياة في تلك السياقات الاجتماعية التي، بقدر ما كانت تبدو بسيطة، إلا أنها لا تخلو من تعقيدات وحسابات خفية، وكأن المجتمعات الإنسانية تخترع شخصياتها كما تخترع احتياجاتها لحاجة ماسة، تجعل استمرار الأمور في نسق وطريق محدد مرهون بتلك الشخصيات، لكن فيما بعد تتحول إلى أساطير وجزء من مرويات الحياة، يلعب فيها الخيال الشعبي الدور الأكبر في صياغة التفاصيل.
قديماً كان المجنون يصبح كذلك لأن هناك من دفعه لذلك، من لم ينظر إلى شطحاته العقلية وأفكاره الغريبة بتفهم، من لم يفهم مخاوفه، أحلامه، اعتراضاته أو رفضه، فيتم إحالة كل ذلك للسخرية والتهكم والمطاردة والتطاول والتنمر حتى يفقد ذلك المسكين إيمانه بفكرته ويفقد معها قدرته على استخدام عقله!
وفي كل مرة أكتب فيها عن شخصية المجنون في إحدى قصصي، أو عن حالات الشطحات العقلية التي تدفع للجنون، أجد أن المجتمعات التقليدية، أو (مجتمعات الأمان) كما يطلق عليها (زيجموند باومان) في كتابه (الأزمنة السائلة) تتعامل بنوع من التسامح والمرونة مع هؤلاء الناس، سامحة بتواجدهم باعتبارهم (بركة) المكان، خاصة إذا كانوا لا يتسببون في ضرر لأنفسهم أو الآخرين، ومعظمنا عاش طفولة كان الحي لا يخلو من مجنون شكّل جزءاً من تلك الطفولة.
الملاحظة التي تلازم هذا الشخص غالباً هي الانفلات من قيود المجتمع وقوالبه، حتى إنك تظن بأنه تعمد أن يكون كذلك ليكون حراً، على اعتبار أن ليس على المجنون حرج، أو العكس، فقد يكون سعيه للاختلاف عبر فكرة أو سلوك غير مألوف هو ما قاده للجنون حسب وجهة نظر المجتمع، والحقيقة أنني وجدت الفيلم الإسباني (27 ليلة) يتصدى لكل هذه الأفكار والأسئلة من خلال حياة امرأة عجوز متمردة تحاول العيش على طريقتها، بينما ترى بناتها في سلوكها ما يوحي بخلل عقلي يستدعي حجزها في مصحة نفسية، فالفيلم ليس عن «امرأة مجنونة» بقدر ما هو عن سؤال: من يملك حق تعريف الجنون؟