نحتاج جميعنا لبضعة أمور على حد سواء، لا فرق بين شاب وعجوز، وبين طفل وكبير، ورجل وامرأة، الجميع يحتاجون الرفقة والأصدقاء، والشعور بالتقدير والحنان والرضا، جميعنا على تفاوت قدراتنا وإمكانياتنا نحتاج لمساحات من الحرية نمارس فيها اهتماماتنا، ونعبّر فيها عن أنفسنا، بعيداً عن القوالب التي صبّنا فيها المجتمع وقبلناها راضين أو مكرهين، أو حبسنا أنفسنا فيها بحكم الظروف ولعبة الزمن والأعراف والتقاليد والمفروض والضروري، والذي لا بد منه.

يقول أحدهم: (أنا أحب السفر كفكرة وليس كبلدان أسافر إليها، وفنادق أنزل فيها، ومدن أرتاد شوارعها ومطاعمها، إنني أحب السفر كفضاء مشروع للحرية والتغيير ومعرفة الآخر والعالم والمختلف، أحب السفر منذ أن يكون فكرة حتى يصير أمراً أستعد له وأنشغل به، حزم الحقائب، اختيار البلد والرفقة التي ستكون معي، أحب الطريق للمطار صباحاً، كما أحب رائحة المطارات وابتسامات المضيفات وطعام الطائرة و..).

ذكرني حديثه بطفل يحب الأشياء لذاتها، لا يعرف الطفل قيمة اللعبة، ولا أهميتها، ولا المعاناة التي بذلها والده ليوفرها له، إنه يحب امتلاكها، والاستمتاع بها، وحين يملّها ربما يقوم بتكسيرها بسهولة، وفي الحياة يحتاج الإنسان لأن يمارس الحياة بهذا المنطق، لا ليكسر اللعبة من أساسها، ولكن ليكسر القوالب والروتين والملل والركود في البحيرات التي تملأ حياته!

هنا تتحول الحياة إلى متعة، واللعب بدل أن يكون رسالة وهدفاً كما كانوا يعلموننا في المدارس، يصبح متعة حقيقية، فالحياة لا تعاش في قاعة الدرس بجرس وعصا ومعلم وقواعد وإثباتات، تحتاج الحياة حين يمر زمن بيننا وبينها أن نمارسها من منطلق التفتيش واكتشاف الجماليات أكثر من أي شيء آخر نكون قد حظينا به وحققناه سابقاً بما فيه الكفاية.

نعم، في بعض الحالات قد يكون هناك جانب تعويضي في الأمر كله، كمقاومة لشعور الخسارة، ووطأة العمر، أو كنوع من الحنين ومحاولة الإمساك بصورة الذات القديمة، لكن هذا ليس التفسير الوحيد، ولا دائماً هو التفسير الأصح. الصحيح أننا نتوق دوماً لحريتنا واختراع أشكالها.